مصطفى محمود: بين العبقرية والعادية… سؤال الوعي لا سؤال الذكاء
استوقفني هذا المقطع القصير للدكتور مصطفى محمود؛ ليس لطوله ولا لغرابة فكرته، بل لقدرته على إعادة فتح سؤالٍ قديم بصيغة مكثفة: ما الذي يفصل بين العبقري والإنسان العادي؟ وجدتني أعود إليه أكثر من مرة، لا لأتلقى الفكرة كما هي، بل لأتأمل طبقاتها الخفية، ولأختبر صدقيتها في ضوء التجربة والواقع. بعض الكلمات تمرّ عابرة، وبعضها يطرق باب التفكير بإلحاح؛ وهذا المقطع كان من النوع الثاني.
لذلك رغبت في مشاركته لا بوصفه اقتباسًا عابرًا، بل بوصفه مدخلًا لنقاش أعمق. أردت أن أفكّك أطروحته، وأعيد صياغتها بلغة أكثر تحليلًا، وأعرضها على طاولة التفكير الهادئ: هل العبقرية حقًا مسألة تحرّر من المألوف؟ هل العادية تعني الاستسلام للعادة؟ وأين يقف كلٌّ منا في هذا الطيف الواسع بين اليقظة والركود؟
في السطور التالية، أحاول أن أقترب من الفكرة دون انبهارٍ مسبق أو رفضٍ متعجل؛ أن أقرأها بعين الفحص لا بعين الإعجاب، وأن أفتح معها حوارًا فكريًا يتجاوز حدود المقطع إلى أسئلة أوسع عن طبيعة التفكير، وعن معنى الاختلاف، وعن المسؤولية الفردية في تشكيل وعينا.
ليست العبقرية، كما يتوهم كثيرون، قفزةً غامضة في سلم الذكاء، ولا ومضةً وراثية تهبط على قلةٍ من الناس ثم تُحجب عن سواهم. الفارق الذي أشار إليه مصطفى محمود أعمق من معادلات الذكاء وأوسع من شهادات التفوق. إنه فارق في طريقة النظر قبل أن يكون فارقًا في مقدار المعرفة، وفي درجة اليقظة قبل أن يكون في سرعة البديهة. العبقري ليس من يعرف أكثر، بل من يرى أبعد؛ والعادي ليس من يجهل، بل من يكتفي بما اعتاده.
الإنسان العادي يسير داخل شبكةٍ من المألوفات؛ يمرّ على الظواهر مرورًا سطحيًا لأن الألفة تمنحه شعورًا زائفًا بالفهم. تتكرر أمامه الأشياء فيظن أنه امتلك حقيقتها، مع أنه لم يتجاوز قشرتها. يعيش داخل إيقاعٍ يوميٍّ مستقر، يكرّر الأفعال نفسها ويعيد الأفكار نفسها، فيغدو الروتين سياجًا معرفيًا يحميه من القلق لكنه يحجبه عن الاكتشاف. إن العادية، في هذا المعنى، ليست نقصًا في العقل بل رضًا مبكرًا بالجواب.
أما العبقري، فيبدأ من حيث يتوقف الآخرون. لا تمنحه الألفة طمأنينة، بل تثير فيه الشك. يتعامل مع الواقع كما لو كان يُرى لأول مرة، فيسأل عن البداهات قبل الغوامض، ويُخضع المسلمات لمشرط التأمل. إنه يرفض أن يكون العالم “مفهومًا” فقط لأنه مكرر، ويصرّ على أن يفتحه من الداخل، كمن ينزع الغطاء عن آلةٍ مألوفة ليكتشف أسرار حركتها. العبقرية هنا ليست تمردًا فارغًا، بل شجاعة فكرية تسمح بالوقوف خارج التيار للحظةٍ كافية لرؤيته بوضوح.
ومن هنا يتجلى البعد الأخلاقي في الفكرة. فالتفكير المختلف لا يولد في بيئةٍ مريحة دائمًا. العبقري يتحمّل كلفة السؤال؛ يتقبل العزلة التي يفرضها الاختلاف، ويقاوم إغراء الانسجام السريع مع الجماعة. لا يتبع ميوله لمجرد أنها مريحة، ولا يهرب من الأفكار الثقيلة لأنها مرهقة. إن في العبقرية انضباطًا داخليًا يجعل صاحبها قادرًا على تأجيل اللذة من أجل الفهم، وعلى تحمّل الغموض حتى تتضح الرؤية. إنها رياضة عقلية وأخلاقية في آنٍ معًا.
والفارق بين الاثنين لا يُختزل في لحظة إبداع كبرى، بل يتراكم في تفاصيل صغيرة: في سؤالٍ إضافي يُطرح، في فكرةٍ تُفكك بدل أن تُسلَّم، في ملاحظةٍ لا تُهمَل لأنها “بديهية”. العادي يمرّ على الظاهرة فيسميها، والعبقري يمرّ عليها فيعيد تعريفها. الأول يرى النتيجة، والثاني يبحث عن البنية. الأول يقبل النظام القائم، والثاني يتساءل عن شروط نشأته. لذلك فإن العبقرية ليست حدثًا عابرًا، بل أسلوب حياةٍ ذهني يتسم باليقظة الدائمة.
ولعل أهم ما في هذه الرؤية أنها تُعيد العبقرية إلى دائرة الإمكان الإنساني. ليست امتيازًا مغلقًا، بل حالة يمكن الاقتراب منها كلما تحرر الإنسان من أسر التكرار الأعمى. حين نُبطئ نظرتنا إلى الأشياء، ونكسر تلقائية الاستجابة، ونتعامل مع المألوف بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا حقيقة نهائية، نخطو خطوةً نحو تلك المنطقة التي يسكنها الإبداع. إن الفرق، في جوهره، ليس بين عقلٍ عادي وآخر خارق، بل بين عقلٍ نام وعقلٍ قرر أن يبقى مستيقظًا.
هكذا تصبح العبقرية فعل مقاومة ضد السكون الفكري، ومحاولة مستمرة لإعادة اكتشاف العالم. إنها ليست هبةً نادرة بقدر ما هي اختيارٌ يوميٌّ في طريقة الرؤية. وفي هذا الاختيار يكمن الحد الفاصل بين من يعيش داخل حدود المألوف، ومن يغامر بتوسيعها.



أوافقك أن فكرة العبقرية تملك سحرًا خاصًا يجعلها مادة دائمة للتأمل؛ فهي تمسّ فينا ذلك التوتر القديم بين ما نحن عليه وما يمكن أن نكونه. لكنني، على خلاف طرحك، لا أرى أن العبقرية أفق مفتوح بالمعنى الذي يضعها ضمن الإمكان المتاح للجميع، ولا أظن أن المسافة بينها وبين “العادي” يمكن ردمها بمجرد يقظة ذهنية أو تمرين إرادي.
ثمة حقيقة أكثر صمتًا وربما أكثر قسوة: أن معظمنا سيبقى، في نهاية الأمر، داخل حدود العادي. لا لأننا نستسلم، بل لأننا نعي في النهاية - اننا سجناء العادي - . يمكننا أن نصير أكثر وعيًا، أكثر دقة، أكثر شجاعة في السؤال… لكن ذلك لا يحوّل الجميع إلى عباقرة، تمامًا كما أن حب الموسيقى والتدريب اليومي لا يصنع بالضرورة مؤلفًا عظيمًا.
ولهذا أجد في المشهد الأخير من فيلم Amadeus شيئًا بالغ الدلالة. ليست لحظة درامية فحسب، بل اعتراف وجودي عميق حين يقول ساليري:
“I speak for all mediocrities in the world. I am their champion. I am their patron saint.”
ليست العبارة ساخرة فقط، بل تحمل مصالحة مؤلمة وصادقة مع حقيقة أن العادية ليست فشلًا أخلاقيًا، ولا نقصًا في الجهد، بل قدر إنساني واسع الانتشار.
ربما ليست المأساة في أن نبقى عاديين… بل في أن نرفض الاعتراف بذلك، أو أن نظل نقيس قيمة حياتنا بمقياس العبقرية وحده. فالعالم لا يقوم بالعباقرة فقط، بل أيضًا — وربما أساسًا — بأولئك الذين يعيشون بصدق داخل حدودهم، ويمنحون ما يستطيعون دون وهم التفوق الاستثنائي.
لذلك، إذا كانت العبقرية فعل مقاومة ضد السكون، فالعادية أيضًا يمكن أن تكون فعل قبول ناضج بحدود الذات. وكلاهما، بطريقته الخاصة، شكل من أشكال الوعي.
"انه فارق في طريقة النظر قبل أن يكون فارقًا في مقدار المعرفة، وفي درجة اليقظة قبل أن يكون في سرعة البديهة. العبقري ليس من يعرف أكثر، بل من يرى أبعد؛ والعادي ليس من يجهل، بل من يكتفي بما اعتاده.