أحلام اليقظة بين الغياب والإنتاج
يأتي مارسيل بروست ليمنح أحلام اليقظة بعداً زمنياً فريداً، من خلال مشروعه الأدبي الضخم “البحث عن الزمن المفقود”
ثمةَ لحظاتٌ نادرة، تكاد تكون شقوقاً في جدار الواقع الصلب، يتسرّب منها الإنسان خارج ذاته دون أن يبرح مكانه؛ يجلس أمام ورقةٍ بيضاء أو نافذةٍ مطيرة، فيتلاشى الضجيج الخارجي تدريجياً، ويغدو العالم المحيط به مجرد خلفية باهتة، بينما ينساب هو إلى فضاءٍ آخر، أكثر خفّةً واتساعاً. هناك، في تلك المساحة غير المرئية، يبني قصوراً من الضباب، ويرسم مساراتٍ من نورٍ لا يُرى، ويعيد ترتيب احتمالات حياته كما لو كان يعيد كتابة قدره. تلك اللحظات التي طالما وُصفت بالشرود والغفلة، لم تعد مجرد انقطاعٍ عن الواقع، بل صارت موضعَ تأملٍ علمي وفلسفي وأدبي عميق؛ إذ تبيّن أنها ليست فراغاً ذهنياً، بل امتلاءٌ من نوعٍ آخر. إنها أحلام اليقظة / ذلك العالَم الموازي الذي لا نغادره أبداً، بل نحمله في داخلنا، ويستيقظ كلما أغلقنا أبواب الانتباه على ما هو قائم، وفتحنا نوافذ الخيال على ما يمكن أن يكون.
في هذا السياق، لا يعود الشرود حالةً سلبية كما قد يُظن، بل يتحوّل إلى فعلٍ إدراكي معقّد. يُعرّف علم الأعصاب أحلام اليقظة بأنها حالة من التفكير التلقائي غير الموجّه، لكنها في حقيقتها أشبه بنظامٍ داخلي لإعادة تنظيم الخبرة الإنسانية. تنشط خلالها شبكة دماغية تُعرف بـ”شبكة الوضع الافتراضي” (Default Mode Network)، وهي ليست مجرد مجموعة مناطق صامتة في الدماغ، بل نظامٌ حيوي يعمل حين نكفّ عن التفاعل المباشر مع العالم الخارجي. تضم هذه الشبكة القشرة الأمامية المتوسطة، المرتبطة بالتفكير في الذات، والقشرة الحزامية الخلفية التي تُعنى بالذاكرة والاستبطان، إلى جانب الفصين الجداريين اللذين يشاركان في بناء التصوّر الذهني. غير أن ما يبدو توصيفاً تقنياً جافاً يخفي وراءه حقيقة مدهشة: هذه الشبكة هي البنية العصبية التي تُمكّن الإنسان من أن يكون “ذاتاً” بالمعنى العميق، إذ تدمج الماضي بالحاضر، وتستشرف المستقبل، وتحوّل التجارب المتناثرة إلى سردٍ متماسك يمنح الحياة معناها الشخصي.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في هذا المجال هو ما كشفته الدراسات الحديثة، ولا سيما أبحاث المعهد الوطني الأمريكي لعلوم الأعصاب، من أن الإنسان يقضي ما بين 30 و47 بالمئة من ساعاته اليقظة في حالةٍ من الشرود الذهني. هذا الرقم لا يشير إلى خلل، بل إلى قاعدة؛ أي أن “اللاانتباه” ليس استثناءً في وعينا، بل هو أحد أنماطه الأساسية. ومن هنا ينبثق تساؤل فلسفي عميق: إذا كنا نقضي ما يقارب نصف حياتنا في هذا الفضاء الداخلي، أفلا يعني ذلك أننا نعيش حياتين متوازيتين؟ حياةٌ خارجية تخضع لقوانين الواقع، وأخرى داخلية تُصاغ وفق قوانين المعنى والتخيّل. وربما الأهم من ذلك أن هذه الحياة الداخلية لا تُعد هروباً من العالم، بل وسيلةً لفهمه وإعادة تأويله؛ فهي اللغة التي يتحدث بها الدماغ مع نفسه حين يعجز الواقع عن أن يكون كافياً.
وتتجلّى القيمة الأعمق لأحلام اليقظة حين ننظر إليها من زاوية أخلاقية وإنسانية. فقد أثبتت الباحثة ماري هيلين إيمورديتو-يانغ، عبر دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أن هذه الحالة الذهنية تُنشّط مناطق الدماغ المرتبطة بالإدراك الاجتماعي، والتعاطف، وبناء المعنى الأخلاقي. بمعنى آخر، حين يسرح الإنسان في خياله متأملاً مواقف إنسانية محتملة، فإنه لا يضيع وقته، بل يُدرّب ذاته على فهم الآخرين، وعلى اختبار ردود أفعاله قبل أن تحدث فعلياً. إنها محاكاة داخلية للتعقيد الإنساني، أشبه ببروفة صامتة للأخلاق. ومن هنا يمكن القول إن أحلام اليقظة ليست مجرد انزلاقٍ إلى الداخل، بل هي أيضاً عودةٌ أكثر عمقاً إلى الخارج؛ إذ تُعيد تشكيل نظرتنا للآخرين، وتوسّع قدرتنا على التعاطف، وتجعل من الخيال أداةً لبناء إنسانٍ أكثر وعياً بذاته وبالعالم.
وإذا مضينا أبعد من ذلك، بدا واضحاً أن هذه الحالة تمثل مساحة نادرة للحرية الذهنية في عالمٍ يفرض على الإنسان انخراطاً دائماً في الإنتاج والانتباه. ففي لحظة الشرود، يتحرر العقل من إملاءات الواقع الفوري، ويستعيد قدرته على اللعب، على التخيل، وعلى إعادة تركيب الممكن. ولعل هذا ما يفسر ارتباط أحلام اليقظة بالإبداع؛ إذ تشير دراسات عديدة إلى أن لحظات الشرود غالباً ما تسبق ومضات الاكتشاف الفني أو العلمي. وكأن العقل، حين يُترك لذاته، يعيد ترتيب عناصره بطريقة لا تسمح بها يقظة التركيز الصارم.
هكذا، لا تعود أحلام اليقظة ظاهرة هامشية أو عرضاً عابراً، بل تصبح جزءاً جوهرياً من التجربة الإنسانية. إنها المساحة التي تتشكل فيها ذواتنا بعيداً عن أعين الآخرين، والمختبر الذي نجرّب فيه احتمالاتنا قبل أن نُقدِم عليها، والمرآة التي لا تعكس ما نحن عليه فحسب، بل ما يمكن أن نصبحه. وفي هذا المعنى، ربما لا يكون الشرود انقطاعاً عن الحياة، بل شكلاً آخر من أشكال الانخراط فيها / انخراطاً أكثر هدوءاً، لكنه أشد عمقاً وأبعد أثراً.
وفي السياق ذاته، قدّم الباحث جيروم سينغر، أحد أبرز روّاد دراسة أحلام اليقظة في علم النفس الحديث، تصوراً بالغ الأهمية لما أسماه بـ”الخيال النشط”، وهو مفهوم يُعيد الاعتبار لهذه الحالة الذهنية بوصفها نشاطاً منظّماً لا فوضوياً كما يبدو للوهلة الأولى. يذهب سينغر إلى أن أحلام اليقظة لا تتخذ شكلاً واحداً، بل تتوزّع على ثلاثة أنماط رئيسية تعكس اختلاف البنية النفسية للفرد وطريقة تعامله مع ذاته والعالم. فهناك النمط الإيجابي الإبداعي، الذي يتسم بقدرة عالية على التخطيط والتصور المستقبلي، حيث يتحول الخيال إلى أداة استشراف وبناء؛ وهناك النمط السلبي القلق، الذي يدور في حلقات من الهواجس والتوقعات المتشائمة، فيغدو الخيال فيه عبئاً لا ملاذاً؛ ثم النمط الانفصالي الانجرافي، الذي يتصف بضعف التركيز والتشتت، حيث ينزلق الذهن دون وعي أو غاية واضحة. وما يقدّمه هذا التصنيف ليس مجرد تقسيم نظري، بل نافذة دقيقة لفهم العلاقة العميقة بين نوعية الحياة الداخلية للفرد وملامح شخصيته، إذ تكشف أحلام اليقظة في صمتها عن الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه، وعن اللغة التي يخاطب بها مخاوفه وطموحاته معاً.
ومن هنا، تكتسب أحلام اليقظة بعداً وظيفياً يتجاوز حدود التأمل إلى آفاق الإبداع. فقد ربطت الدراسات النيورولوجية الحديثة بين النمط الإيجابي من أحلام اليقظة وبين ارتفاع ملحوظ في الإنتاجية الإبداعية، وذلك عبر ما يُعرف بـ”تأثير الحضانة” (Incubation Effect). في هذه الحالة، حين يعجز العقل الواعي عن حلّ مسألة معقدة، لا يكون الانسحاب منها فشلاً، بل استراتيجية غير مباشرة؛ إذ يترك المشكلة جانباً، ويفتح المجال لتجوالٍ حر داخل الشبكات الذهنية، حيث تُعاد معالجة المعطيات دون رقابة صارمة من الوعي. وغالباً ما تنبثق الحلول في لحظة غير متوقعة، كشرارةٍ تبدو وكأنها خرجت من العدم، بينما هي في الحقيقة نتاج عملٍ داخلي صامت. بهذا المعنى، لم تعد لحظات الشرود زمناً ضائعاً، بل أصبحت زمن التخمير الحقيقي للأفكار، وهو ما يفسّر لماذا ارتبطت كثير من الاكتشافات الكبرى والإنجازات الفنية بلحظات الاسترخاء أو التأمل الحر، حيث يتراجع الضغط، ويتقدّم الحدس.
أما على المستوى النفسي، فإن إعادة تقييم أحلام اليقظة تمثل تحوّلاً مهماً في فهمنا للصحة الذهنية. فعلى الرغم من أن الوعي الشعبي كثيراً ما يربطها بالكسل أو ضعف التركيز، فإن علم النفس المعاصر يقدّم قراءة أكثر عمقاً وإنصافاً. لقد أسهم علماء مثل ميهالي تشيكسنتميهالي، من خلال نظريته حول “التدفق النفسي”، في توسيع فهمنا للعلاقة بين التركيز والتخيّل، مبيّنين أن الذهن لا يعمل دائماً بأقصى كفاءته حين يكون محاصراً بالانتباه الصارم، بل قد يبلغ ذروته حين يتحرر جزئياً ويُتاح له التنقل بين الداخل والخارج بمرونة. ومن هذا المنظور، يصبح التخيّل الحر / إذا كان موجهاً بشكل واعٍ / أداةً داعمة للصحة النفسية، لا عائقاً أمامها.
وقد أثبتت الأبحاث أن أحلام اليقظة الإيجابية تؤدي دوراً محورياً في تنظيم المشاعر، إذ يستخدمها العقل الباطن كمساحة آمنة للتفريغ الانفعالي وإعادة التوازن النفسي. فعندما يتخيل الإنسان نفسه في موقف ناجح أو في حياةٍ أكثر انسجاماً مع رغباته، لا يبقى هذا التخيل مجرد صورة عابرة، بل ينعكس بيولوجياً في شكل إفرازات حقيقية لهرمونات مثل الدوبامين والسيروتونين، وهي المواد نفسها المرتبطة بالشعور بالسعادة والتحفيز. ومن هنا، تعتمد تقنيات العلاج النفسي المعرفي على آليات مشابهة، كالتصور الموجّه وإعادة البناء المعرفي، حيث يُدرَّب الفرد على استخدام خياله كوسيلة لإعادة تشكيل إدراكه للواقع، لا للهروب منه.
وتعزّز هذه الرؤية ما توصلت إليه دراسات منشورة في مجلات علمية مرموقة، مثل Psychological Science، والتي أظهرت أن الأفراد الذين يمارسون أحلام يقظة مستقبلية إيجابية / أي الذين يتخيلون أنفسهم في حالات نجاح أو تحقيق أهداف ، يبدون مستويات أعلى من المثابرة، وقدرة أكبر على تحمّل الإخفاقات، وانخفاضاً ملحوظاً في القلق المرتبط بالمستقبل. ويُعزى ذلك إلى ما يُعرف بـ”التمهيد العاطفي”، حيث يختبر الدماغ شعور النجاح مسبقاً، فيتعامل معه لاحقاً بوصفه حالة مألوفة لا مستحيلة. وبهذا، يتحول الخيال إلى أداة تهيئة نفسية، تسبق الفعل وتدعمه.
وفي مستوى أعمق، تتجاوز وظيفة أحلام اليقظة حدود الانفعال والسلوك إلى تشكيل الهوية ذاتها. فالإنسان، حين ينخرط في تخيّل نفسه داخل سيناريوهات متعددة، لا يقوم بمجرد استعراض ذهني، بل يخوض عملية استكشاف وجودي معقّدة؛ يختبر فيها إمكاناته، ويقيس حدود رغباته، ويطرح أسئلة لا تُطرح في ضجيج الواقع: من أكون حقاً؟ ماذا أريد أن أكون؟ وأيّ نسخة من ذاتي تستحق أن تتحقق؟ في هذا السياق، لا يكون الخيال هروباً من الذات، بل مختبراً حقيقياً لها، تُجرَّب فيه الهويات الممكنة قبل أن تتجسد في الواقع. وهكذا، تصبح أحلام اليقظة مساحةً يتكوّن فيها الإنسان ببطء، لا على نحو عشوائي، بل عبر حوار داخلي مستمر بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون.
أما على صعيد العلاقات الاجتماعية، فإن أحلام اليقظة لا تنحصر في كونها تجربة فردية مغلقة، بل تمتد لتؤسس جسوراً خفية بين الذات والآخر. تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأنماط من أحلام اليقظة التي تتمحور حول الآخرين / كتخيُّل مشاعرهم، ومحاولة استيعاب وجهات نظرهم، وبناء سيناريوهات محتملة للتواصل معهم / تُنمِّي ما يُعرف بـ”التعاطف التنبؤي”، وهي قدرة ذهنية دقيقة تتيح للإنسان أن يتوقع ردود أفعال الآخرين وأن يفهم دوافعهم قبل أن تُعبَّر صراحة. في هذا السياق، يصبح الخيال أداةً لفهم العالم الإنساني لا أقل أهمية من اللغة أو التجربة المباشرة. ومن هنا، ذهب بعض الباحثين إلى القول إن الروائيين والشعراء الكبار لا يختلفون جوهرياً عن غيرهم من البشر، إلا في امتلاكهم قدرة استثنائية على تنظيم أحلام يقظتهم وتحويلها إلى بنى سردية نابضة، حيث يعيشون داخل عقول الآخرين بقدر ما يعيشون داخل ذواتهم. إنهم لا يكتبون عن الشخصيات، بل يختبرونها من الداخل، ويمنحونها صوتاً لأنها سكنت خيالهم أولاً.
وفي امتدادٍ لهذا المعنى، يغدو الانتقال إلى الفلسفة والأدب انتقالاً طبيعياً، إذ لم يكن هؤلاء بعيدين عن هذا الإقليم الغامض الممتد بين اليقظة والحلم، بل لعلهم أكثر من سكنه واشتغل به. يمكن القول، دون مبالغة، إن تاريخ الفكر الإنساني برمّته ليس إلا سلسلة من أحلام اليقظة العظيمة، تلك التي امتلك أصحابها الجرأة على أن يفكروا فيما لم يُفكَّر فيه، وأن يتخيلوا ما لم يكن قابلاً للتصديق في زمانهم. لقد كان الخيال، في أرقى صوره، ليس هروباً من الواقع، بل تمهيداً لإعادة تشكيله.
يبرز أفلاطون بوصفه أحد أوائل من منحوا الخيال بعداً معرفياً عميقاً، حين صاغ نظريته في المُثُل العليا، تلك الرؤية التي تفترض أن العالم المحسوس ليس إلا انعكاساً ناقصاً لعالمٍ مثالي أسمى. في هذا التصور، لا تُنال الحقيقة بالحواس وحدها، بل بالتأمل الحر الذي يتجاوز حدود المرئي. وهكذا، يصبح الخيال الفلسفي عنده أداة للارتقاء، لا ترفاً ذهنياً. أما أسطورة الكهف، فهي ليست مجرد حكاية رمزية، بل تحذير من الاكتفاء بسطح الواقع ورفض الانخراط في مغامرة الخيال، إذ يبقى الإنسان أسير الظلال ما لم يجرؤ على تخيل ما وراءها.
وعند غاستون باشلار، يأخذ الخيال منحى أكثر حميمية وعمقاً، إذ لا يتعامل معه كأداة فكرية مجردة، بل كقوة شعرية تتغلغل في جوهر التجربة الإنسانية. في كتابه “جماليات المكان”، يميّز بين خيالٍ شكلي يعيد إنتاج العالم كما هو، وخيالٍ مادي يخترق لبّ الأشياء ويستخرج منها أصداءها الخفية. يرى باشلار أن أحلام اليقظة المرتبطة بالأمكنة / البيت، الزوايا، الماء، النار / ليست مجرد صور عابرة، بل لغة داخلية تخاطب بها الروح ذاكرتها الأكثر عمقاً، حيث تتداخل التجربة الحسية بالوجدانية في نسيجٍ واحد.
أما ويليام جيمس، فقد قدّم تصوراً بالغ الأثر عن طبيعة الوعي الإنساني من خلال مفهوم “تيار الوعي”، حيث رفض فكرة أن التفكير يسير في خطوط مستقيمة أو مقاطع منفصلة، مؤكداً أنه يتدفق كالنهر، متشابكاً ومستمراً. في هذا الإطار، لا تُعد أحلام اليقظة انقطاعاً عن التفكير، بل جزءاً أصيلاً من بنيته. كان جيمس يرى أن محاولة إخضاع العقل لانضباط قسري دائم تُفضي إلى جفاف داخلي، بينما يتيح التدفق الحر للوعي أن يحتفظ بحيويته ومرونته، وهو ما يجعل الخيال ضرورة لا ترفاً.
وفي الأدب، يتجلى هذا الحضور بأبهى صوره عند جبران خليل جبران، الذي كتب من داخل تلك المنطقة الرخوة الواقعة بين الحلم واليقظة، حيث تتلاشى الحدود بين الفكر والشعور. في كتابه “النبي”، تتخذ اللغة شكلاً يكاد يكون رؤيوياً، كأنها لا تصف العالم بل تعيد خلقه. كان جبران يؤمن أن الخيال ليس نقيض العقل، بل امتداده الأكثر صفاءً، حيث يرى الإنسان بالقلب ما تعجز العين عن إدراكه.
ويأتي مارسيل بروست ليمنح أحلام اليقظة بعداً زمنياً فريداً، من خلال مشروعه الأدبي الضخم “البحث عن الزمن المفقود”، حيث تتحول الذاكرة اللاإرادية إلى بوابة لاستعادة الماضي. لم يكن بروست يستعيد الزمن عبر التفكير المنطقي، بل عبر انغماسه في حالات من الشرود العميق، حيث يمكن لتفصيل صغير/طعم، رائحة، ملمس / أن يفتح أبواباً كاملة من التجربة. بهذا، تصبح أحلام اليقظة وسيلة لاستعادة الزمن لا كما كان، بل كما يُعاد تشكيله في الوعي.
أما نجيب محفوظ، فقد قدّم نموذجاً عربياً بالغ الثراء لهذا التداخل بين الواقع والخيال. كان يسير في شوارع القاهرة القديمة، لا بوصفه مراقباً فقط، بل حالماً يقظاً تتشكل في ذهنه الشخصيات قبل أن تُكتب. لم يكن يختلق عوالمه من فراغ، بل كان يستخرجها من تلك المساحة الداخلية التي تتقاطع فيها التجربة اليومية مع الخيال الحر. وقد أتاح له هذا النمط من التخيّل أن يبني عالماً روائياً متماسكاً، ينبض بالحياة لأنه وُلد أولاً في الخيال قبل أن يُصاغ بالكلمات.والقاسم المشترك بين هؤلاء جميعاً / من أفلاطون إلى نجيب محفوظ، مروراً بـ جبران خليل جبران ومارسيل بروست / ليس مجرد اشتغالهم بالفكر أو الأدب، بل إيمانهم العميق بأن العقل البشري، حين يتحرر من قيود الانشغال المباشر، لا يفرغ كما يُخشى، بل يمتلئ. يمتلئ بما يتجاوز المعطى الحسي إلى ما هو أكثر صدقاً وعمقاً وجمالاً. في تلك المساحة تحديداً، حيث لا يُطالَب العقل بأن يُنتج فوراً أو يُبرر نفسه، تتشكل أعظم الأفكار، ويولد المعنى في صورته الأولى، قبل أن يُروَّض باللغة أو يُقاس بالمنطق.
تمت
إهداء إلى العزيزة لين .










مقال رائع حسنا لقد كنت أحب أحلام اليقظة كثيرا لكنها مؤخرا أصبحت تعيقني عن الواقع و تزعجني تفاقم تشتت الإنتباه ليعيقني عن ممارسة و التركيز في كل شئ تقريبا و أبسط مثال أنني لم أعد قادرة على التركيز مع شخص يتكلم ما عدا الدقائق الأولى أظن أن على الشخص أن يتعلم كيف يوازن بين واقعه و بين أحلام اليقظة حتى لا يختلط عليه هذا بذاك و يدخل في دوامة لا خروج له منها
انصدمت من معلومة اننا نقضي من 30 إلى 47% من ساعات اليقظة في شرود ذهني. جعلتني المعلومة افكر فيما إذا كنت أحلم بالمستقبل أم أحلم بالحاضر