«يمكنك أن تُفني خصومك، لكن إن فعلتَ ذلك على نحوٍ جائر، فإنك بذلك تُمهِّد لأن تُفنى أنتَ نفسك.»
قراءة في مقولة رسنت همينغواي
«يمكنك أن تُفني خصومك، لكن إن فعلتَ ذلك على نحوٍ جائر، فإنك بذلك تُمهِّد لأن تُفنى أنتَ نفسك.»
“You can wipe out your opponents. But if you do it unjustly you become eligible for being wiped out yourself,”
رنست همينغواي مقولة من رسائلة إلى إيفان كاشكين، ١٩ أغسطس ١٩٣٥، ضمن مجموعة «رسائل رنست همينغواي، المجلد السادس» الصادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج عام ٢٠٢٤.
ـــــــــــــــــــــــــ
لم تكن الحرب عند رنست همينغواي مجرّد استعارة أدبية أو خلفية سردية، بل كانت تجربةً معيشةً انغرست في جسده ووعيه معاً؛ خبزاً يومياً وجرحاً لم يندمل. خدم مسعفاً في الحرب العالمية الأولى على الجبهة الإيطالية، حيث أُصيب إصابةً بالغة، ثم عاد ليشهد فصولاً أخرى من العنف الإنساني في الحرب الأهلية الإسبانية، قبل أن يواكب وقائع الحرب العالمية الثانية كسائق سيارة إسعاف بسيط. هناك، لم يكن الموت فكرةً مجرّدة، بل حضوراً يومياً ووجهاً يُرى، لا احتمالاً يُتخيّل. ومن قلب هذه التجربة، تشكّلت لديه قناعة راسخة بأنّ الانتصارات التي تُبنى على الظلم لا تدوم، بل تتحوّل ببطءٍ خفي إلى هزائم تنخر في روح المنتصر قبل جسده.
وفي السياق ذاته، كتب عبارته الدالّة: «لم يستطع أيّ سلاحٍ قطّ أن يحلّ مشكلةً أخلاقية؛ يمكنه أن يفرض حلاً، لكنه لا يستطيع أن يضمن عدالته». هذه الجملة، التي تسبق مقولته الشهيرة، تكشف بوضوح حدود القوة، وتُميّز بين الإكراه بوصفه أداة، والعدالة بوصفها معياراً. فالقوة قادرة على فرض واقعٍ ما، لكنها عاجزة عن إضفاء المشروعية عليه. ومن هذه الخبرة وُلدت مقولته، لا بوصفها تأمّلاً نظرياً معزولاً، بل شهادةً حيّة لرجل رأى كيف ينقلب المنتصر الظالم إلى ضحية قانونٍ لا يُحابي أحداً، قانونٍ يعمل بصمت، ويُعيد ترتيب النتائج بحيث يغدو الفعل الجائر بدايةً لسقوطٍ مؤجّل.
تنطوي هذه المقولة على تمييزٍ بالغ الدقة بين القدرة والمشروعية. فهو لا ينفي إمكان الفعل، بل يقرّ به صراحةً حين يقول «يمكنك»، لكنه يربط هذا الإمكان بشرط العدالة، فيتحوّل الخطاب من توصيف القوة إلى مساءلتها. وهذا التمييز هو جوهر التفكير الأخلاقي منذ أفلاطون وصولاً إلى إيمانويل كانط، حيث أُكّد مراراً أنّ القدرة حين تنفصل عن معيارها الأخلاقي تتحوّل إلى استبداد، وأن الاستبداد يحمل في داخله بذور انهياره. غير أنّ همينغواي صاغ هذه الفكرة بلغة التجربة لا بلغة التنظير؛ بلسان من رأى لا من افترض، وبوعي من خبر أنّ النصر الملوّث بالظلم ليس سوى هزيمةٍ مؤجّلة.
وتتجاوب هذه الرؤية مع ما تُسمّيه الفلسفات الشرقية «الجزاء الأخلاقي المتبادل»، ومع ما يصوغه الفكر العربي الإسلامي في مفهوم «السنن الإلهية في الاجتماع البشري»، وما يُعرف في الفكر الغربي بقانون العواقب أو الكارما . تتعدّد الأسماء، لكن الحقيقة واحدة: الفعل لا ينتهي عند لحظة صدوره، بل يمتدّ أثره ويعود إلى مصدره. فالظلم لا يبقى حبيس ضحيته، بل يرتدّ على فاعله، وقد يتأخّر هذا الارتداد أو يتخفّى، لكنه لا يغيب. والتاريخ شاهدٌ على ذلك؛ حضاراتٌ قامت على نهب الشعوب تآكلت من داخلها، وأنظمةٌ اقتصادية ازدهرت على الاستغلال فقدت شرعيتها، وأفرادٌ صعدوا عبر إقصاء غيرهم حملوا في نجاحهم بذور سقوطهم.
لم يكن همينغواي يدعو إلى تسامحٍ مطلق ولا إلى تخلٍّ عن القوة، بل إلى تأطيرها أخلاقياً. كان يقول: انتصر، ولكن انتصر بالحق. فالنصر الذي لا يصمد أمام مرآة الضمير ليس نصراً، بل تأجيلٌ لانكشافٍ قادم. وهذا المبدأ لا يقتصر على الحروب والسياسة، بل يمتدّ إلى تفاصيل الحياة اليومية. في عالم الأعمال، تتجلّى الفكرة في الشركات التي تسعى إلى التفوق عبر انتهاك الحقوق أو الممارسات الاحتكارية، فتجني مكاسب آنية لكنها تستدعي في المقابل العقاب أو فقدان الثقة. وفي السياسة، الزعيم الذي يُقصي خصومه ظلماً يخلق شروط الثورة عليه. وفي العلاقات الشخصية، من يبني صعوده على إذلال الآخرين يؤسّس نجاحه على أرضٍ هشّة.
أما في عالم الإبداع، الذي كان همينغواي أحد أبرز وجوهه، فإنّ المسألة أكثر حساسية. فالكاتب الذي يستعير أصوات الآخرين يفقد صوته، والفنان الذي يدوس على غيره ليصعد يُطفئ جذوة موهبته. إنّ العدالة هنا ليست قانوناً خارجياً فحسب، بل شرطٌ داخلي لسلامة الإبداع نفسه.ومن الأمانة القول إنّ همينغواي لم يكن مثالاً كاملاً في حياته الشخصية؛ فقد شابت علاقاته الإنسانية توتّراتٌ واضحة، وترك سلوكه أحياناً آثاراً مؤلمة على من حوله. غير أنّ هذا لا يُضعف حكمته، بل يعمّقها، إذ يكشف أنّ القوانين التي أدركها لا تستثني أحداً، حتى من صاغها. فالحكمة ليست في كمال التطبيق، بل في صدق الرؤية.
وفي الفلسفة الأخلاقية، يمكن قراءة مقولته بوصفها تركيباً بين مدرستين: مدرسة المنفعة التي تربط الفعل بنتيجته، ومدرسة الواجب التي تربطه بمبدئه. فهي تقول للإنسان: كن عادلاً لأنّ الظلم سيهدمك، وكن عادلاً لأنّ العدالة هي ما يمنح الفعل شرعيته. وبهذا، تتحوّل النزاهة من ترفٍ أخلاقي إلى ضرورة وجودية، ومن خيارٍ مثالي إلى شرطٍ للاستمرار./ يبقى ذلك الإدراك الصافي بأنّ القوة إذا انفصلت عن العدالة تحوّلت إلى بذرة فنائها.وفي عالمنا اليوم، حيث تتسارع المنافسة ويتلاشى الحدّ الفاصل بين الطموح والجشع، تستعيد هذه الكلمات راهنيتها. في الفضاء الرقمي، في السياسة، في العمل، وفي العلاقات، يتردّد المعنى ذاته: إنّ الظلم لا يمرّ دون أثر، بل يُعيد تشكيل مصير فاعله. والعدالة ليست ضعفاً، ولا تنازلاً عن الطموح، بل هي الضمان الوحيد لانتصارٍ يستحق أن يُسمّى انتصاراً، ولنجاحٍ يصمد أمام مرآة الزمن.





جمييييييييل