لا تحاول تغيير أحد... ابحث عن الأرواح التي تشبهك
حين يظن أحدهم أنه يملك حق النحت
ثمة نوع خطير من البشر لا يكتفي بأن يلتقيك، بل يتعامل مع لقائك كما لو كان بداية مشروع. يتأملك طويلًا، ثم يبدأ، بصبرٍ لا يخلو من الوصاية، في اقتراح حياة أخرى لك. يراجع ذوقك، ويختبر أفكارك، ويقيس ردود أفعالك، ثم يشرع في إعادة ترتيبها قطعةً بعد أخرى، حتى تصبح أقرب إلى الصورة التي يحملها في ذهنه عن الإنسان “الصحيح”. لا يراك كما أنت، بل كما يعتقد أنك ينبغي أن تكون. أخطر ما في هذا السلوك أنه نادرًا ما يأتي في هيئة عدوان. إنه يتخفى وراء النصيحة، أو الحب، أو الحرص، أو الرغبة في “الأفضل”. ولذلك يصعب اكتشافه في بدايته؛ لأن الإزميل لا يعلن نفسه سكينًا، بل يقدّم نفسه أداةً للإصلاح.لكن الإنسان وكيانه ليس تمثالًا ينتظر النحات الأخير.
كان الفيلسوف سورين كيركغارد يرى أن أعظم مأساة يمكن أن يعيشها الإنسان هي أن يفقد ذاته وهو يحاول أن يصبح ما يريده الآخرون منه. فالنفس، في نظره، ليست شيئًا يُمنح جاهزًا، بل علاقة يعيشها الإنسان مع ذاته طوال عمره. وكل محاولة لفرض هوية من الخارج ليست إضافة إلى هذه العلاقة، بل تشويش عليها. فإن من يقف أمام إنسان محاولًا إعادة تشكيله يغفل حقيقة بسيطة: الشخصية ليست قرارًا اتُّخذ صباحًا ويمكن التراجع عنه مساءً، بل طبقات جيولوجية من الخبرات. كل قناعة استقر عليها الإنسان دفعت ثمنها سنوات من الحيرة، أو ليلةً لم ينم فيها، أو خيبةً غيّرت نظرته إلى العالم. وكل حدٍّ رسمه حول نفسه لم يولد من العناد، بل من معرفةٍ مؤلمة بما يحدث عندما تُترك الأبواب كلها مفتوحة.وقد كتب فريدريك نيتشه أن «تصبح ما أنت عليه» هي أصعب مهمة يواجهها الإنسان. لم يكن يقصد أن يبتكر الإنسان ذاتًا جديدة، بل أن يكشف ذاته التي طمرتها توقعات المجتمع والأسرة والآخرين. ولذلك، فإن الطريق إلى النضج ليس في التشبه بالناس، وإنما في التحرر من الحاجة المستمرة إلى إرضائهم. ومن المفارقة أن بعض العلاقات تطلب من الإنسان أن يفعل العكس تمامًا؛ أن يتخلى عن ذاته التي أمضى عمره في اكتشافها، ليعيش داخل نسخة أكثر راحة للآخرين. ليست القضية: هل يمكن للإنسان أن يتغير؟ فالإنسان يتغير طوال حياته. القضية هي: من يملك حق هذا التغيير؟ وهل يأتي النمو الحقيقي من إرادةٍ تنبع من الداخل، أم من ضغطٍ يمارسه شخص يرى نفسه وصيًا على روح ليست روحه؟
أراها من أخطر أشكال العنف اللطيف المخفي ليس ذلك الذي يترك كدمات على الجسد، الذي يأتي على عبارات معلبة “ أنا أعرف الصح واللي يناسبك هذا لا يصلح لك” ذلك الذي يقنع الإنسان، ببطءٍ شديد، بأن الطريق الوحيد ليستحق الحب هو أن يتخلى عن نفسه. عندها لا يخسر رأيًا أو عادةً أو ذوقًا فحسب أو حتى تغييرات في المظهر ، بل يخسر الشاهد الوحيد على رحلته كلها: هويته. الكائن الذي جُبل عليه.
النفس الإنسانية لا تتكوّن دفعة واحدة، ولا تُصاغ بإرادة لحظية، بل تنمو طبقة فوق أخرى، كما تتراكم حلقات الشجرة عامًا بعد عام. وكل تجربة يمر بها الإنسان تترك أثرًا، لا في ذاكرته فحسب، بل في الطريقة التي يرى بها العالم، ويثق بها بالناس، ويمنح بها الحب، ويرسم بها حدوده. ولهذا فإن ما يبدو للآخرين غرابةً، أو تحفظًا، أو تصلبًا، قد لا يكون إلا الأثر الباقي لجرح قديم تعلّم صاحبه، بعد ثمنٍ باهظ، كيف يحولّه إلى وسيلة للنجاة.
قد لا يكون الأمر عداءً في أغلب الأحيان، ولا رغبة واعية في الهيمنة. فكثير ممن يحاولون تغيير الآخرين يعتقدون بصدق أنهم يساعدون، أو ينصحون، أو يحبون. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحب إلى رغبة في إعادة التصميم، وكأن الإنسان الذي أمامهم نسخة أولية لم تكتمل بعد، تنتظر من يضع اللمسات الأخيرة عليها.فالاختلاف يُرهق بعض النفوس. وجود إنسان لا يفكر مثلهم، ولا يحب ما يحبون، ولا يستجيب بالطريقة التي اعتادوها، يخلق لديهم شعورًا خفيًا بعدم الاستقرار. لذلك يحاولون، دون أن يشعروا أحيانًا، تقليص مساحة هذا الاختلاف حتى يصبح الآخر أكثر قابلية للفهم، وأكثر سهولة في التوقع، وأكثر شبهًا بهم.إنهم لا يبحثون عن إنسان مستقل، بل عن نسخة يمكن قياسها.
فالإنسان يميل بطبيعته إلى ما يستطيع تصنيفه. وما إن يعجز عن تصنيف شخص ما، حتى يبدأ بمحاولة تعديله ليصبح مألوفًا. ولذلك نرى بعض الناس يضيقون بالاختلاف لا لأنه خطأ، بل لأنه لا يمكن إدخاله في القوالب التي اعتادوا عليها. فهم لا يريدونك أن تكون أنت، بل أن تكون نسخة يمكن مقارنتها، وقياسها، والتنبؤ بها، حتى لا تربك النظام الذي بنوه داخل عقولهم.لا يتوقف الأمر عند الذوق أو الآراء أو العادات، بل يمتد إلى الشخصية نفسها. يريدونك أن تغضب بالطريقة التي يغضبون بها، وأن تحب بالطريقة التي يحبون بها، وأن تحزن كما يحزنون، وأن تفسر الحياة كما يفسرونها. فكلما اقتربت من مقاساتهم، شعروا براحة أكبر. وليس لأنك أصبحت أفضل، بل لأنك أصبحت أكثر قابلية للاحتواء داخل عالمهم.لا يحتمل البعض وجود من يذكّره بأن الحياة يمكن أن تُعاش بطريقة أخرى. فكل شخص مختلف يفتح نافذة على احتمال جديد، وهذا الاحتمال قد يكون مقلقًا؛ لأنه يعني أن قناعاتنا ليست الطريق الوحيد، وأن تجاربنا ليست المعيار الذي ينبغي أن يُقاس عليه الجميع. ولهذا يكون تغيير الآخر، أحيانًا، محاولة لإغلاق هذه النافذة، لا لفتحها.
والأغرب أن هذه الرغبة لا تتوقف حتى بعد نجاحها. فمن اعتاد أن يعيد تشكيل الناس، لن يكتفي أبدًا. لأن المشكلة لم تكن يومًا في اختلاف الآخرين، بل في عجزه عن التعايش مع الاختلاف نفسه. وما إن يشبهه شخص، حتى يبحث عن اختلاف جديد ليزيله. ولهذا لا يصل هذا النوع من العلاقات إلى السلام، لأن هدفها ليس اللقاء بين شخصين، بل ذوبان أحدهما داخل الآخر. فإن أكثر العلاقات نضجًا ليست تلك التي تجعل الطرفين متشابهين، بل تلك التي تسمح لهما بأن يظلا مختلفين دون أن يشعر أيٌّ منهما بالحاجة إلى محو ملامح الآخر. فالحب لا يقاس بعدد النسخ التي يصنعها الإنسان من نفسه، بل بعدد الأرواح التي استطاع أن يتركها كما هي، دون أن يحاول قصَّها على مقاسه.
وكثيرًا ما تقف خلف هذا السلوك نزعات لا يُعترف بها بسهولة؛ شيء من التسلط، وشيء من الأنانية، وشيء من الطمع في امتلاك الآخر. فبعض الناس لا يكتفون بأن يكونوا جزءًا من حياتك، بل يريدون أن يعيدوا ترتيبها بحيث تصبح أكثر قابلية للاستيعاب داخل عالمهم هم. إنهم يلهثون، بوعي أو بغير وعي، وراء تحويل البشر إلى نُسخ يمكن قياسها، والتنبؤ بها، والسيطرة على اختلافاتها، لأن الإنسان المستقل يربكهم، أما الإنسان الذي أُعيد تشكيله على مقاسهم فيمنحهم شعورًا زائفًا بالأمان. لكن العلاقات لا تزدهر حين يُختزل الإنسان إلى نسخة قابلة للاحتواء، بل حين يُسمح له بأن يبقى عالمًا كاملًا، لا نسخة من عالم أحد.





هذه المقالة، بالنسبة لي، تكمل ما بدأتهِ في “أنا أكره من يسرق مني وحدتي” وإن كانت تقف هذي المرة على الطرف الآخر من المرآة. لاحظت أن سارق الوحدة يغزو صمتك ليهرب من صمته هو، بينما ناحت الهوية يعيد تشكيلك ليهرب من اختلافه هو. وكلما أعدت التفكير فيهما، ازددت يقينًا أن كليهما لا يحتمل وجود آخر مكتفٍ بذاته؛ الأول يخاف أن يُترك وحده مع صدى أفكاره، والثاني يخاف أن يُترك أمام إنسان لا يشبهه ولا يفسر العالم كما يفسره.
والحقيقة القاسية، التي ما زلت أعيد اكتشافها كل ما قرأت نصًا كهذا، أن هذا “النحت” ليس أقل سرقة من ذاك الغزو الناعم للصمت، بل هو عندي أعمق أثرًا؛ لأن سارق الوحدة يلوّث لحظة عابرة، أما ناحت الهوية فيسطو على المسار كله، على تلك الطبقات الجيولوجية من الخبرات التي بنيتها بثمن باهظ من ليالٍ بيضاء وخيبات لم تكن سهلة. هو لا يترك أثرًا في صمتي فحسب، بل يعيد صياغة القالب الذي يُفترض أن يخرج منه صوتي الداخلي أصلاً.
وكما تكلمتِ في مقالتكِ السابقة أن أسمى أشكال اللقاء يحدث بين غريبين اكتفيا بوحدتيهما، أرى أن أنضج علاقاتي هي تلك التي سمحت لي ولمن أمامي بالبقاء عالمين كاملين لا نسختين متطابقتين. فكلا المقالتين، في جوهرهما، تدافعان عن حقٍّ واحد أراه أساسيا: حقي في أن أبقى غامضًا، غير مُختزل، غير قابل للاحتواء الكامل ، سواء بصخب من يغزو وحدتي، أو بصبر من يظن أنه يملك حق التشكيل الأخير عليّ.
احسنت
ليس مجرد خوف الانظمه من الغير خطيين
انما نظره الناس لما هو ليس في قالب واضح تدعوهم الي اشياء كثير وانتي ذكرتيها
واخرهم الرفض من معاملتك حيث انك خارج برمجه وعيهم
وعي لا يعرف الحريه او الاختلاف او جمال الاختلافات وكيف تتكامل
شكرا لاحساسك وبصمتك المتعه في النقال كالعاده
في انتظار المزيد