فلسفة الصوم لدى كافكا
فنان الجوع
ترجمة : إقبال عبيد
تُعدّ قصة فرانتس كافكا القصيرة «فنّان الجوع» الصادرة عام 1922 وهي قصة رمزية تدور بالكامل حول فنّ الجوع. ويكمن في قلب قصة كافكا قلقٌ عميق إزاء علاقة الفنّ بالسوق، وتساؤلٌ دائم حول إمكان وجود فنّ مستقلّ داخل سياق تجاري، وهو توتّر يجسّده فنّان الجوع نفسه.
يظهر فنّان الجوع في القصة بوصفه صائمًا محترفًا يبيع، عبر مقاول عروضه، مشهد قدرته الخارقة على البقاء حيًّا من دون طعام، في صورة مجازية بالغة الدلالة عن السوق الثقافية المتحوّلة في مطلع القرن العشرين. فقد كانت “الهياكل البشرية” وفنّانو الجوع جزءًا من عروض المسوخ في أواخر القرن التاسع عشر، ومن المرجّح أن تكون قصة كافكا مستوحاة من اطلاعه على مثل هذه الشخصيات. ويشير هذا الظهور إلى تحوّل في الدلالة الثقافية لتجويع الذات؛ إذ لم يعد يُنظر إليه كخيار ديني أو صوفي، بل تحوّل تدريجيًا إلى سلعة تُستثمر في السوق الحضرية لأغراض الترفيه والربح. وينتمي بطل كافكا، بوعيٍ ذاتيّ وإن كان على مضض، إلى هذا السوق الذي حوّل تجويع الذات إلى بضاعة.
منذ السطور الأولى، تضع القصة شعبية فنّان الجوع وربحيته في صميم الحكاية، فتفتتح بالإشارة إلى تراجع الاهتمام بالصوم الاحترافي خلال العقود الأخيرة، بعدما كان يدرّ أموالًا طائلة عندما كان يُقدَّم وفق شروط الفنّان نفسه، قبل أن يصبح ذلك شبه مستحيل. وبهذا التمهيد، تُقدَّم شخصية فنّان الجوع بوصفها نتاجًا مباشرًا للجوّ التجاري العام، شخصية تتدهور مكانتها تدريجيًا داخل السوق الثقافية التجارية.
وإذا ما نظرنا إلى فنّ الجوع من هذه الزاوية، بدا شكلًا من أشكال ثقافة الجماهير، إذ لا ينتج ولا يستمرّ إلا بفضل اهتمام الجمهور. غير أنّ هذا الاهتمام ذاته يفرض قيودًا صارمة على الفنّ الذي يقدّمه فنّان الجوع. فهو يحلم، وقد أضنته هذه القيود التي تضبط حركته، بفنّ مستقلّ وقائم بذاته، فنّ يمارسه دون الخضوع لنزوات الجماهير. ويشعر بحنقٍ خاص إزاء الطريقة التي يحدّد بها اهتمام الجمهور مدّة صومه، حيث يفرض مدير العروض سقفًا زمنيًا يبلغ أربعين يومًا بحجّة أنّ المدينة تفقد اهتمامها بعد ذلك. هذه القيود تثير غضب فنّان الجوع، الذي كان يشعر بأن قدرته على الصوم غير محدودة، ويحلم بصومٍ كامل لا يُقيد بالذوق العام. وفي مواجهته للإهانات والإذلال المصاحب لطقوس كسر الصوم، يندب عالمًا “مبتلى بانعدام الفهم”، يتمثّل في جمهور لا يستوعب فنه، وفي مقاول عروض يحدّد معالم هذا الفنّ بما يناسب الجمهور.
وفي هذه القراءة، يجسّد فنّان الجوع التناقض الجوهري بين فنّ مستقلّ مطلق لا يخضع لأهواء الجماهير، وبين حاجة الفنّ إلى أن يُباع للجمهور. وهو التوتّر الكلاسيكي بين الفنون الراقية وثقافة الجماهير، الذي يُعدّ سمة ملازمة للحداثة. وعلى الرغم من أنّ الفنون الراقية والاستقلالية الجمالية تُربطان عادةً بتجاهل رأي الجمهور والانصراف الكامل إلى الفنّ ذاته، فإنّ فنّان الجوع يعاني قلقًا عميقًا حيال تلقّي أعماله. فهو محبط من الجمهور بقدر ما هو ساخط على عدم تقديرهم له وعلى القيود التي يفرضونها على نقاوة فنه. ويبلغ هذا السخط ذروته حين يُجبر على إنهاء صومه، إذ يرى في ذلك حرمانًا له من المجد الذي يعتقد أنّه يستحقّه، ومن فرصة تحطيم الأرقام القياسية التي كان يتخيّل أنّه قادر على تجاوزها بلا حدود.
ومع ذلك، فإنّ فنّان الجوع لا يجد رضاه الحقيقي حتى بعد أن يخفت اهتمام الجماهير بفنه، وينتهي به المطاف إلى مرتبة أدنى في عرض سيرك جانبي، حيث يصبح قادرًا على ممارسة صومه بلا قيود. فعلى الرغم من تحرّره من إملاءات السوق التي هجرته، يظلّ غير راضٍ؛ إذ يواصل صومه كما كان يحلم دائمًا، لكن من دون أن يعدّ أحد الأيام، ولا حتى هو نفسه، الأرقام القياسية التي كان يحقّقها. ويثقل عليه هذا الغياب للتقدير، ويملأه حزنًا، لأن نقاوة فنه كانت تتطلّب شكلًا من أشكال الاعتراف، اعترافًا لا يتيحه الفنّ المنفصل تمامًا عن السوق، كما لا يتيحه الفنّ الخاضع كليًا لمعادلاته.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم حلم فنّان الجوع بالاستقلالية على نحوٍ أدقّ بوصفه تطلّعًا إلى نوع من الاستقلالية التي يضمنها مجتمع الفنّانين، مجتمع يمنحه قدرًا من التقدير الاجتماعي لفنه، مع السماح له بالاحتفاظ بمسافة عن الحشود. ويشير الراوي مبكرًا إلى أنّ تعيين مجموعة من المراقبين للتأكّد من أنّ فنّان الجوع لا يتناول طعامًا أثناء صومه لم يكن سوى إجراء شكليّ هدفه طمأنة الجمهور، إذ كان هؤلاء المراقبون يعرفون تمامًا أنّه لن يأكل تحت أي ظرف، لأن شرف مهنته يمنعه من ذلك. ويذكّر هذا التعارض بين الجمهور الذي يطالب بمشهد صارم خالٍ من الأصالة، وبين المراقبين الذين يفهمون طبيعة الفنّ، بالتعارض بين الإنتاج الثقافي واسع الانتشار والإنتاج الثقافي الصارم.
غير أنّ التراجيديا في قصة «فنّان جوع» تكمن في أنّ بطلها، الذي سيتبيّن لاحقًا أنّه المشاهد الوحيد الراضي عن صومه، لا يعثر على هذا الجمهور المطلع. فالمتفرّجون إمّا مشكّكون بشدّة، أو متقبّلون خداعه على مضض، عاجزون عن فهم فنه وتقديره حقًّا. وينطبق الأمر نفسه على مدير العروض ومشرفي السيرك، الذين لا يقيّمون عمله الفذّ إلا من حيث كونه سلعة مربحة تُباع لجمهور لا يفهمها. ومن دون هذه الجماعة الواعية من المراقبين، لا ينال الفنّ المستقلّ لفنّان الجوع أي تقدير، ويغدو ممارسة أنانية تنتهي في النهاية إلى الهلاك. وهكذا، تصوّر القصة استحالة استمرار فنّ مستقلّ يفتقر إلى سياق اجتماعي قادر على صون استقلاليته.
وغالبًا ما يكون قرّاء كافكا قادرين على تمييز هذا الانهيار في السياق الاجتماعي بوصفه جزءًا من الحكاية الأوسع المرتبطة باستقبال أعمال كافكا نفسه. فقد كانت هامشيته العرقية واللغوية والوطنية عنصرًا مركزيًا في الطريقة التي قُرئ بها، وهو ما انعكس في القراءات التي رأت في كتاباته نموذجًا لأدب الأقلية، أدب يتشكّل داخل لغة الأغلبية، وتتأثّر لغته بعمق بانفصالها عن محيطها الجغرافي. وتعكس هذه القراءات في مجملها استقبال كافكا بوصفه كاتبًا يقف على تخوم السياقات الثقافية والاجتماعية، تمامًا كما يقف فنّان الجوع على تخوم السوق والجمهور والاستقلالية الجمالية.
ــــــــــــــــ
تمت الترجمة : فصول من كتاب “ فن الجوع “ -أليس مودي






Fasting!1st time I come across such an issue