لماذا لا تعجبني النهايات السعيدة!!
لماذا تبدو النهايات السعيدة أحيانًا غير صادقة؟ عن الواقعية، والفلسفة، وصخرة سيزيف التي تشبه حياتنا أكثر مما نعتقد
هناك لحظة صامتة يعيشها بعضنا بعد انتهاء فيلم أو بعد الصفحة الأخيرة من رواية؛ لحظة لا نرفض فيها النهاية، لكننا لا نصدقها تمامًا، كأن كل شيء أصبح مرتبًا أكثر مما ينبغي، وكأن الجراح التأمت بسرعة لا تشبه الزمن الحقيقي للألم، وكأن التناقضات التي ملأت الحكاية اختفت فجأة بمجرد وصول القصة إلى سطرها الأخير. في تلك اللحظة لا يظهر الاعتراض كفكرة واضحة بل كإحساس خافت: هل يمكن فعلًا أن تنتهي الحياة بهذه النظافة؟ هل يمكن أن يصل الإنسان إلى لحظة يغلق فيها ملف قلقه نهائيًا؟
هذا الشعور لا يعني رفض السعادة، بل رفض تبسيطها، لأن المشكلة ليست في أن تنتهي القصة بشكل جيد، بل في أن تنتهي كما لو أن الحياة نفسها يمكن حلها كما تُحل عقدة درامية، بينما التجربة الإنسانية تقول لنا إن الحياة لا تُحل بل تُدار، ولا تُغلق بل تُستأنف. السرد الفني يحتاج نهاية لأنه بناء، أما الحياة فلا تحتاجها لأنها تدفق، الرواية تحتاج خاتمة لأن القارئ يحتاج نقطة توقف، أما الإنسان فلا يعيش بهذه الطريقة لأنه يستيقظ في اليوم التالي مهما حدث، حتى بعد أعظم الانتصارات أو أشد الانكسارات.
ولهذا السبب تحديدًا قد نشعر أن بعض النهايات السعيدة تبدو مصطنعة، ليس لأنها سعيدة، بل لأنها تبدو وكأنها أوقفت الزمن عند لحظة مثالية، بينما وعينا يعرف أن الحياة لا تمنح هذه اللحظات إلا كاستثناءات قصيرة. الإنسان الذي يشعر بهذا ليس بالضرورة متشائمًا، بل غالبًا يكون قد وصل إلى درجة من الواقعية تجعله يرى أن كل استقرار مؤقت، وأن كل طمأنينة تحمل داخلها احتمال اهتزازها، وأن كل بداية جميلة ليست نهاية المعاناة بل بداية مسؤوليات جديدة.
هذا الإحساس لم يكن غريبًا عن الفلاسفة، بل كان جزءًا من تأملاتهم في طبيعة الوجود. فقد رأى الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور أن الإنسان يعاني حين يعتقد أن الحياة يمكن أن تمنحه حالة رضا دائمة، لأن الرغبة لا تتوقف، وما إن تتحقق حتى يظهر فراغ جديد. لم يكن يقصد أن الفرح وهم، بل أن الإنسان يخطئ حين يعتقد أن الفرح حالة نهائية بدل أن يكون محطة عابرة في حركة مستمرة بين التوتر والهدوء.
أما الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه فقد رفض فكرة الحياة الهادئة أصلًا، واعتبر أن الإنسان الناضج ليس من يبحث عن عالم بلا صراع، بل من يقبل أن الصراع جزء من معنى الحياة. القوة عنده لم تكن في الوصول إلى الراحة، بل في القدرة على الاستمرار رغم معرفة أن الراحة الكاملة ليست وعدًا واقعيًا. ولهذا فإن النهايات التي تعد بالانسجام الكامل قد تبدو لذهن تشكل على الواقعية وكأنها إنكار لطبيعة الوجود نفسه.
لكن ربما أقرب من عبّر عن هذا الشعور كان الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، الذي رأى أن مأساة الإنسان ليست في الألم ذاته، بل في رغبته بأن يكون العالم واضحًا وعادلًا ومنطقيًا، بينما الواقع لا يقدم هذه الضمانات. كامو لم يكن يدعو إلى اليأس، بل إلى الصدق، وكان يرى أن الإنسان يخطئ حين يستبدل الحقيقة بتعزية سهلة.
ومن هنا جاءت صورته الأشهر: أسطورة سيزيف. سيزيف في الميثولوجيا الإغريقية حُكم عليه أن يدفع صخرة ضخمة إلى قمة جبل، وكلما اقترب من القمة تدحرجت الصخرة إلى الأسفل ليبدأ من جديد. قد تبدو الصورة في ظاهرها رمزًا لعذاب عبثي، لكن كامو رأى فيها صورة الإنسان نفسه، الإنسان الذي ينهض كل يوم ليواجه نفس القلق، نفس الالتزامات، نفس هشاشة الوجود، من دون أن يصل إلى لحظة خلاص نهائي.
لكن الفكرة العميقة عند كامو لم تكن أن حياة سيزيف مأساة لأنه يحمل الصخرة، بل أن عظمته تكمن في وعيه بهذا المصير واستمراره رغم ذلك. لم يكن سيزيف بطلاً لأنه انتصر، بل لأنه لم ينسحب. لم يكن عظيمًا لأنه وصل، بل لأنه استمر.
وهنا تحديدًا تصبح صخرة سيزيف صورة دقيقة للحياة الواقعية، لأنها تذكرنا أن الوجود لا يمنحنا خاتمة نهائية، بل يمنحنا فرصة أخرى للمحاولة. وهذا ما يجعلها مناسبة جدًا لفهم لماذا قد نشعر بأن النهايات السعيدة الكاملة غير مقنعة، لأن شيئًا في داخلنا يعرف أن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة، وأن الإنسان لا يصل إلى لحظة يُقال له فيها: انتهى الامتحان.
الحياة لا تقول لنا انتهى كل شيء، بل تقول: ماذا ستفعل الآن؟
ولهذا فإن النهايات التي نشعر بصدقها ليست تلك التي تمحو الألم، بل تلك التي تعترف به دون أن تجعله نهاية القصة، النهايات التي لا تقول إن كل شيء أصبح مثاليًا، بل تقول إن الإنسان أصبح أكثر فهمًا، أكثر قدرة على التحمل، أكثر واقعية في نظرته لنفسه وللعالم.
النهاية الصادقة ليست التي تزيل الجرح، بل التي تضعه في سياقه الإنساني في أن تحكه تحت جلدك في أن يتورم ويلتئم.
ومن هنا يمكن فهم الفرق بين الوهم والواقعية: الوهم يعدنا بحياة بلا تناقض، أما الواقعية فتعلمنا كيف نعيش مع التناقض. الوهم يعدنا بالوصول، أما الواقعية فتعلمنا قيمة الاستمرار. الوهم يبحث عن نهاية جميلة، أما الواقعية فتبحث عن معنى الطريق.
ولهذا قد يشعر بعض الناس أن النهايات المفتوحة أو الهادئة أو حتى الممزوجة بشيء من المرارة أكثر صدقًا من النهايات الاحتفالية، لأنها تشبه ما نعرفه عن الحياة: أن الأبواب لا تُغلق بالكامل، وأن الأسئلة لا تختفي، وأن الإنسان لا يصل إلى السلام الكامل بل إلى نوع من التوازن المؤقت.
وهنا تعود صورة سيزيف مرة أخرى، لا كرمز للتعب، بل كرمز للكرامة الإنسانية، لأن كرامته لم تكن في قدرته على تغيير مصيره، بل في رفضه أن يكذب على نفسه بشأنه. لقد فهم أن الحياة ليست قصة ذات خاتمة، بل تجربة ذات استمرار، وأن المعنى لا يوجد في النهاية بل في الطريقة التي نحمل بها أثقالنا.
ولهذا ربما ليست المشكلة أن النهايات السعيدة غير موجودة، بل أن الحياة نفسها لا تعترف بفكرة النهاية كما يفعل الأدب. الحياة لا تعطي خاتمة، الحياة تعطي صباحًا آخر. لا تعطي يقينًا، بل تعطي فرصة أخرى. لا تعطي نهاية سعيدة، بل تعطي إمكانية أن نكون أكثر صدقًا ونحن نواصل الطريق.
وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن الإنسان الأكثر واقعية ليس من يرفض السعادة، بل من يرفض السعادة التي تتطلب منه أن ينسى الحقيقة، وليس من ينكر الأمل، بل من يرفض الأمل الذي يعتمد على الوهم. إنه الإنسان الذي يشبه سيزيف وهو ينزل من الجبل ليبدأ من جديد، لا لأنه ينتظر نهاية، بل لأنه فهم أن قيمة الحياة ليست في الوصول، بل في الاستمرار، وأن أكثر النهايات صدقًا ليست تلك التي تجعلنا نبتسم، بل تلك التي تجعلنا نفهم.
إقبال عبيد






عصر ماقبل القرية الكونية كان من الممكن أن تسوق النهايات السعيدة وتطييرها لرؤوس وصدور الجماهير (الراديو والشاشة البيضاء)لأن فسحة ذهنية الناس تتماهى مع ذلك الجو فالعالم المعاش غير معقد ومحرر من الألكثير من اوجاع الناس اليوم..عالم الإنفجار المعلوماتي والشبكات الاجتماعية والتواصل فائق الذكاء أحدث عمليات تشريط الوعي باإختصار reconditioning of the lived-world ..وهذا بإختصار عزز من رؤية رفضية تجتث الحقيقة وتضخم من اللاواقعية!..بالمجمل القطعة مثيرة 🎩