ما بعد العدمية: ماذا نفعل حين يغيب المعنى؟
حين لا يقدّم الوجود إجابات: ما الذي يتبقّى لنا؟
ترجمة : إقبال عبيد
تنحّي الخطابات الرواقية جانبًا ليفتح بابًا للتساؤل حول جدوى تبنّي منظور عدمي بوصفه وسيلة لإعادة النظر فيما نعدّه ذا قيمة في الحياة. ترى الكاتبة جيما باركر أن إدانة نيتشه لكل ما يُقدَّم على هيئة “إجابات جاهزة” أو “عزاءات” لا تهدف إلى الهدم بقدر ما تدعونا إلى تعلّم مواجهة القلق الملازم لوجود قد يفتقر إلى معنى مُسبق.
في أواخر مراحل حملي الأول، اعتمدتُ أسلوبًا بسيطًا لتفادي سيل الأسئلة والنصائح المرتبطة بالأمومة، فكنتُ أصف الولادة المرتقبة بأنها “نهاية العالم”. كنتُ أكتفي بالقول: لا أعلم، سنرى كيف ستسير الأمور بعد ذلك. وقد أثبت هذا الأسلوب فاعليته؛ إذ يقلّ ما يمكن تقديمه من إرشادات لشخص يتعامل مع قدوم الأمومة بوصفه حدثًا جللًا. في تلك المرحلة، اتسم موقفي بالتحفّظ، وأحيانًا بالسخرية، تجاه ما يُصوَّر بوصفه ضروريًا لحياة طفل لم يولد بعد. وقد كان هذا التحفّظ نابعًا جزئيًا من تضارب النصائح التي تلقيتها، وجزئيًا آخر من انشغالي الطويل بقراءة أعمال نيتشه خلال سنواتي في العشرينات.
قد لا يبدو نيتشه خيارًا بديهيًا لأم شابة، غير أن أفكاره تثير أسئلة عميقة حول القيم والغايات، وهي أسئلة وثيقة الصلة بمسائل الرعاية والمسؤولية. وبعد سنوات، حين بلغ طفلاي سن الدراسة الابتدائية، وجدتُ نفسي أعود إلى نصوصه بحثًا عن إطار يساعد على فهم التوتر القائم بين الالتزامات الثقيلة تجاه من نرعاهم ونحبهم، وبين نزعة إنسانية إلى الحرية والمغامرة وخوض تجارب جديدة.
لا يُنظر عادةً إلى نيتشه أو العدمية بوصفهما مصدرًا مريحًا للإجابات من هذا النوع. فالعدمية تُختزل غالبًا في فكرة مفادها أن “لا شيء مهم”، وتُربط بالفوضى أو الإفراط في اللذة. غير أن مقاربة نيتشه للعدمية لا تتخذها ذريعة للتنصّل من المسؤوليات أو للانغماس في المتع العابرة. فهي، في تصوّره، تبدأ بوصفها تشخيصًا، ثم تتحول إلى مساءلة، وقد تصبح دافعًا لإعادة التقييم. ما يتيحه هذا المنظور هو إعادة طرح السؤال عمّا يستحق الاهتمام حقًا، واحتمال أن تكون القيم التي نعدّها أساسية مختلفة عمّا نشأنا على اعتباره مهمًا.
إذا سلّمنا بإمكانية أن تكون القيم الحقيقية مختلفة عمّا اعتدنا اعتباره مهمًا، يبرز تساؤل أساسي حول الكيفية التي يمكن من خلالها التحقق مما يستحق الاهتمام فعلاً. ما الذي يتيح للإنسان أن يتجاوز حدوده الذاتية وأطره الاجتماعية ليكتسب منظورًا يساعده على بناء فهمه الخاص للقيمة والغاية والمعنى في الحياة، إن كان بلوغ مثل هذا المنظور ممكنًا من الأساس؟
يُبدي نيتشه رفضًا حادًا لكل ما يُقدَّم على هيئة “إجابات نهائية” أو “عزاءات” أو مخارج سهلة. وينعكس هذا الرفض في نقده الصارم للأديان المؤسسية، كما يظهر في موقفه اللاذع من الفلاسفة الذين يدّعون امتلاك حلول شاملة لما يُسمّى لغز الوجود. فهو لا يقبل بأنظمة معتقدية مغلقة، ولا بإجابات مبسطة، ولا بأساليب تفكير تقوم على التجنّب أو التخفف السطحي من القلق الوجودي. ومن يتوجّه إلى نيتشه باحثًا عن إجابات جاهزة غالبًا ما يعود محمّلاً بمزيد من الأسئلة، وقد يجد نفسه، مع تقدّم هذا المسار، عاجزًا عن التسليم بوجود حقائق موضوعية ثابتة أو غايات نهائية أو معنى مُعطى سلفًا.
وعند هذه النقطة، يفرض نفسه سؤال آخر: كيف يمكن تحمّل هذا القدر من عدم الارتياح؟ وكيف يمكن التعايش مع الشعور باللايقين دون الانزلاق إلى الاستسلام أو العجز؟ وهل يمكن السعي إلى السعادة، والصحة، والعلاقات الإنسانية، والحب، والإحساس بالهدف، دون الوقوع في حلقة مفرغة من التشاؤم والارتياب؟ ثم، على مستوى الحياة اليومية، هل يستطيع الإنسان أن يحتفظ بنظرته النقدية أو المتشككة، وربما الساخرة أو العدمية، ومع ذلك يواصل أداء مسؤولياته العادية: أن ينهض صباحًا، ويُعدّ شؤون أطفاله، ويتشارك معهم لحظات الضحك، ويقف إلى جانب والديه في أوقات المرض، ويؤدي أفعال الرعاية البسيطة التي تشكّل نسيج الحياة اليومية؟
«إن الانخراط في تجارب فكرية عدمية لا يستلزم بالضرورة الشعور باليأس أو المعاناة»، تقول جيما باركر. وقد جاء هذا القول في سياق اهتمامها بالفن بوصفه استجابة محتملة للتفكير العدمي. وانطلاقًا من هذا الاهتمام، اطّلعت على أعمال عدد من الفنانين الذين شغلتهم أسئلة العدمية، من بينهم صموئيل بيكيت و**ألبير كامو**، إذ تناول كل منهما هذه الإشكالات في تجربته الفكرية والأدبية. ومع ذلك، كثيرًا ما وجدتُ ذهني ينصرف إلى تجربة مختلفة تمامًا، تتمثل في قصة دوللي بارتون، وفي تلك الليلة التي كتبت فيها أغنيتين ناجحتين بدلًا من واحدة.
تروي بارتون أنها كانت تمرّ بمرحلة اتبعت خلالها نظامًا غذائيًا قاسيًا قائمًا على السوائل، بعد أن زاد وزنها. وكان البروتين السائل الذي التزمت بتناوله ثلاث مرات يوميًا غير مستساغ بالنسبة لها. وفي إحدى الليالي، كانت تقيم في فندق يضم مطعمًا يشتهر بتقديم طبق من المحار المقلي كانت تحبه كثيرًا. لم تتمكن من النزول لتناول الطعام، فبقيت في غرفتها بينما كانت تسمع أصوات الفرقة الموسيقية وضحكات روّاد المطعم. تصف تلك اللحظة بقولها إنها شعرت بالشفقة على نفسها وهي جالسة وحدها، ثم توقفت لتفكر: بما أنها لا تستطيع الأكل، ولا جدوى من الاستسلام لهذا الشعور، فلماذا لا تستثمر الوقت في كتابة أغنية؟
لا يمكن وصف بارتون بأنها عدمية بالمعنى الفلسفي، غير أن قصتها تكتسب دلالة إذا فُهمت العدمية بوصفها إدراكًا لاحتمال أن تكون الحياة أشبه بـ«غرفة موحشة». وإذا اقترن هذا الإدراك برفض الاكتفاء بالجلوس في دائرة الشفقة على الذات، فإن في هذا الموقف بساطة لافتة، بل وشيئًا من الحيوية، يتمثل في تحويل الإحباط إلى فعل إبداعي وابتكار شيء جديد.
وعليه، فإن الانخراط في التفكير العدمي لا يعني بالضرورة الانعزال أو الغرق في المعاناة أو الاكتفاء بالتعبير الفني عن عبثية الوجود. بل يمكن أن يُفهم، على نحو مختلف، باعتباره التزامًا يوميًا بطرح الأسئلة حول ما يُقدَّم على أنه ذو قيمة أو معنى، وبمحاولة مواجهة القلق الملازم لاحتمال غياب المعنى الجاهز. وهو، في هذا السياق، ممارسة للمثابرة على الحضور في الحياة، وعلى الاستمرار في الإبداع والعمل، رغم ما قد يصاحب ذلك من عدم ارتياح أو شعور باليأس.
تصبح العدمية محدودة الأثر إذا توقّف التفكير عند مجرّد الإقرار بعدم وجود معنى للحياة. غير أن الاهتمام الحقيقي ينصرف إلى ما يلي هذه اللحظة: إلى جوهر الموقف نفسه، وإلى الكيفية التي نواجه بها الإحساس باليأس. فالسؤال لا يتعلّق فقط بما نفهمه، بل بما نفعله عمليًا في هذا السياق؛ بما نُقدم على صناعته أو ممارسته، حتى في حال انتفاء القيمة المسبقة لما ننتجه أو لما نقوم به.
-جيما باركر هي مؤلفة كتاب الأم قلقة ولا تعرف السبب، الذي يتناول هذه القضايا من منظور شخصي وفكري يتقاطع فيه القلق الوجودي مع التجربة اليومية.




دمتِ موفّقة