آآآشش شوبنهاور يبحث عن الهدوء
ترجمة مقالة " الضجيج" لشوبنهاور
حين بدأت أبحث عن مقالات شوبنهاور القصيرة ، لم أتوقع أن أعثر على هذه الجوهرة الطريفة. ففيلسوف التشاؤم الأشهر، الرجل الذي أمضى حياته وهو يحاول تفسير العالم وآلامه وإرادته العمياء، جلس ذات يوم ليكتب صفحات كاملة عن صوت السياط في الشوارع.
قرأت المقالة فضحكت، ثم عدت إليها فضحكت أكثر. ليس لأن شوبنهاور كان يحاول أن يكون ساخراً، بل لأنه كان جاداً إلى أبعد حد. يصف فرقعة السوط بأنها عدو الفكر الأول، ويقترح معاقبة كل من يستخدمه في الشارع، بل يطالب بإلزام أصحاب السياط بعقدة في نهايتها للتخفيف من صوتها. من المدهش أن رجلاً يرى المعاناة جوهر الوجود كان مستعداً لتقديم حلول عملية وحازمة لمشكلة تبدو اليوم صغيرة إلى هذا الحد.
ما يزيد الأمر طرافةً أن حساسيّته تجاه الضجيج لم تكن مجرّد فلسفة، بل كانت سمةً شخصيةً موثّقة في سيرته، بلغت حدّاً جعله ذات يومٍ يدفع جارته الخيّاطة بيده خارج ردهة منزله حين أزعجه صوت ثرثرتها، فرفعت عليه دعوى قضائيةً وكسبتها، فاضطرّ إلى دفع إيجارها لسنواتٍ طويلة.
هذه المقالة ليست مجرد تذمر من الضوضاء، بل نافذة صغيرة على شخصية شوبنهاور نفسه. رجل عاش وحيداً وحاد المزاج وشديد الحساسية، وكان مقتنعاً بأن الضجيج واحد من أكبر الأعداء الذين يواجههم الفكر في هذا العالم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة : إقبال عبيد
“By Arthur Schopenhauer - ON NOISE”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتب كانط يوماً عن “القوى الحيوية”، أما أنا فأشعر أن من الواجب كتابة مرثية لها، فقد استنزفتها أصوات الطرق والدق وإلقاء الأشياء حتى تحولت حياتي إلى معاناة يومية لا تنتهي. سيجد كثيرون هذا الكلام مبالغاً فيه وربما يبتسمون له، لكن هؤلاء هم أنفسهم الذين لا تعني لهم الحجة شيئاً ولا الفكر ولا الشعر ولا الفن، ولا أي أثر يتركه العقل في النفس. وليس ذلك إلا لأن أدمغتهم، إن جاز التعبير، أقل حساسية تجاه ما يرهق الفكر ويعطله.كلما عدت إلى سير الكتّاب والمفكرين الكبار وجدت الشكوى ذاتها تتكرر. نادراً ما أعثر على مفكر عظيم لم يتذمر من الضجيج وما يسببه من أذى للعقل. لقد اشتكى منه كانط وغوته ولشتنبرغ وجان بول وغيرهم كثير. وإذا غاب ذكره في بعض السير فذلك لأن المناسبة لم تسمح بالحديث عنه لا لأنه لم يكن موجوداً.
الأمر في نظري بسيط. إذا حُطمت ماسة كبيرة إلى أجزاء صغيرة فقدت قيمتها دفعة واحدة، وإذا تشتت جيش قوي إلى جماعات متناثرة ضاعت قوته. وكذلك العقل. فالعقل اللامع لا يتفوق على العقل العادي إلا بقدرته على جمع طاقاته كلها في فكرة واحدة وتركيزها في نقطة محددة، كما تجمع المرآة المقعرة أشعة الضوء في بؤرة واحدة. والضجيج هو العدو المباشر لهذا التركيز.لهذا كانت العقول الرفيعة أكثر الناس نفوراً من المقاطعة والتشويش والانقطاع، وكان الضجيج بالنسبة إليها أشد هذه الآفات إزعاجاً. أما معظم الناس فلا يشعرون بذلك بالدرجة نفسها. وليس من قبيل المصادفة أن تضع إحدى أكثر الأمم الأوروبية تقديراً للآداب قاعدة تقول: لا تقاطع أحداً. فالضجيج هو الشكل الأكثر فظاظة للمقاطعة، لأنه لا يوقف الفكرة فحسب بل يبعثرها ويقضي على خيطها تماماً.ومن الطبيعي أن من لا يملك فكرة عميقة ينشغل بها لن يشعر بهذا الأذى كما يشعر به غيره. أما أنا فكثيراً ما أجد نفسي مرهقاً بسبب صوت متكرر وتافه لا أنتبه إليه في البداية. أشعر فقط بثقل خفي يجعل التفكير أكثر صعوبة ويقاوم كل محاولة للتركيز. ثم بعد فترة أدرك مصدر ذلك الإرهاق فأكتشف أن الضجيج كان هناك طوال الوقت.
دعونا نترك الحديث عن الضجيج بوجه عام ونتحدث عن أسوأ صوره على الإطلاق. فصوت السياط التي تُقرع على ظهور الخيول في الشوارع الضيقة والمزدحمة من أكثر الأصوات فجاجة وإزعاجاً مما عرفه الإنسان. إنه صوت ينتزع من الحياة هدوءها ويطرد منها كل إمكانية للتأمل أو الصفاء.ولعل أكثر ما يجعلني أستغرب محدودية تفكير البشر هو قبولهم بهذا الصوت وكأنه أمر طبيعي. تلك الفرقعة الحادة والمفاجئة لا تزعج الأذن فحسب، بل تقتحم العقل نفسه وتبعثر كل فكرة كانت تتشكل فيه. من المستحيل أن يمر هذا الصوت على شخص منشغل بالتفكير دون أن يترك فيه أثراً.كل فرقعة من هذه الفرقعات تمزق خيط التركيز لدى عشرات الأشخاص في اللحظة نفسها. إنها تقطع الفكرة وهي في طور التكوين وتجهز على التأمل كما يفصل السيف الرأس عن الجسد بضربة واحدة. ولا أعرف صوتاً يخترق الدماغ بهذه القسوة مثل صوت السوط. إنه لا يُسمع فقط، بل يكاد يُحس داخل الرأس نفسه. يشعر المرء وكأن عقله يرتجف تحت وطأته كما تنكمش نبتة الميموزا عند أدنى لمسة.
ومع كامل احترامي لمن يبرر الأشياء بمنفعتها العملية، ما الذي يمنح رجلاً ينقل عربة من الرمل أو السماد في أن يفسد لحظات التفكير لدى آلاف الأشخاص الذين يمر بهم خلال نصف ساعة من عمله؟ أي امتياز هذا الذي يسمح له بأن يقتل الأفكار في مهدها لمجرد أنه يحمل حمولة من مكان إلى آخر؟
قد تكون أصوات المطارق ونباح الكلاب وصراخ الأطفال مزعجة ومكروهة، لكن صوت السوط يظل في رأيي العدو الأول للتفكير. إنه الصوت الذي يفتك بأي لحظة هدوء قد يظفر بها المرء وسط صخب الحياة، ويقضي على التأمل قبل أن يبدأ.ولو كانت هذه الضوضاء ضرورة لا غنى عنها لتحريك الخيل لربما أمكن التسامح معها على مضض. لكن الحقيقة أنها ليست ضرورية ولا فعالة بالقدر الذي يتصوره أصحابها. فالخيول اعتادت هذه الفرقعات لكثرة ما تسمعها حتى فقدت معظم تأثيرها. ويكفي أن يرى المرء عربة فارغة تسير ببطء في الشارع بينما يستمر سائقها في فرقعة السوط بلا توقف ليدرك عبث هذا السلوك. لمسة خفيفة بالسوط كانت لتؤدي الغرض بصورة أفضل.وحتى لو افترضنا أن الفرس يحتاج بين الحين والآخر إلى تذكير بوجود السوط، فإن جزءاً ضئيلاً من هذا الصوت كان كافياً. فالحيوانات تلتقط الإشارات السمعية والبصرية الدقيقة بدرجة تفوق ما نتصور، والأمثلة على ذلك لا حصر لها في الكلاب المدربة والطيور وغيرها.لهذا أرى أن فرقعة السياط ليست سوى إزعاج خالص، بل نوع من الوقاحة التي يفرضها أصحاب الأعمال اليدوية على أولئك الذين يعتمد عملهم على التركيز والتفكير. وأن تسمح المدن بهذا السلوك مع سهولة التخلص منه أمر يدعو للاستغراب. فكل ما يتطلبه الأمر قرار بسيط يلزم أصحاب السياط بعقدة في أطرافها فتخف حدة الصوت إلى حد كبير.وربما لم يكن من السيئ أيضاً أن يدرك بعض الناس أن هناك من يعيشون بأفكارهم كما يعيش غيرهم بعضلاتهم. ومع ذلك لا أستطيع إلا أن أقول إن كل من يجوب شوارع المدينة المزدحمة وهو يجلد الهواء بسوط طويل ويحدث هذه الفرقعات المتواصلة يستفزني إلى درجة تجعلني أتعاطف مع أشد العقوبات بحقه. ولعل أكثر ما يثير الضحك أنني، رغم كل ما يُقال عن الرحمة ورفض العقاب البدني، لا أزال أشعر أن بضع ضربات بالعصا ستكون أبلغ أثراً من آلاف المواعظ والخطب في إقناعه بالتوقف.
وأحياناً يبلغ الأمر درجة أشد إثارة للاستغراب. فقد ترى عاملاً يسير في الشارع من دون حصان أو عربة، ومع ذلك يواصل فرقعة سوطه بلا توقف. لقد تحولت هذه العادة إلى سلوك يومي مقبول فقط لأن الناس اعتادوا وجوده ولم يعودوا يتساءلون عن جدواه.
والأمر الذي يحيرني أن الإنسان يحيط جسده بكل أشكال العناية والراحة، بينما لا يحظى العقل المفكر بأدنى قدر من الحماية أو الاحترام. لا شك أن العمال والحمالين والسعاة وغيرهم يؤدون أعمالاً ضرورية، ويستحقون المعاملة العادلة والرحيمة، لكن ذلك لا يعني أن يُسمح لهم بإفساد عمل أولئك الذين يعتمد جهدهم على التفكير والتركيز من خلال ضوضاء لا فائدة منها.
وكم أتساءل عن عدد الأفكار الجميلة والمشاريع العظيمة التي قُضي عليها قبل أن تولد بسبب هذه الفرقعات السخيفة. ولو كان الأمر بيدي لحرصت على أن يرتبط في أذهان أصحاب هذه العادة صوت السوط بعقوبة فورية لا تُنسى، حتى يصبح أحدهما تذكاراً دائماً للآخر.ولعل الأمم الأكثر رهافة وإدراكاً ستكون أول من ينتبه إلى هذه المسألة، ثم تتبعها الشعوب الأخرى مع الوقت. أما إلى أن يحدث ذلك، فأذكر هنا ملاحظة ساخرة للكاتب توماس هود حين قال إن الألمان، على الرغم من شهرتهم كمحبين للموسيقى، كانوا أكثر الشعوب ضجيجاً التي عرفها. وهو لا يعزو ذلك إلى شغف خاص بإحداث الضوضاء، بل إلى نوع من التبلد الذي يجعلهم أقل انزعاجاً منها. فالضجيج لا يفسد عليهم القراءة أو التفكير لأنهم، بحسب سخريته، لا يفعلون الكثير من ذلك أصلاً، ويكتفون بالتدخين.
وفي رأيي أن التسامح مع الضوضاء غير الضرورية، سواء كانت فرقعة سياط أو أبواباً تُغلق بعنف أو أي ضجيج مشابه، يكشف شيئاً من اللامبالاة تجاه الحياة العقلية. فالمجتمع الذي لا يحمي لحظات التركيز والتأمل لا يمنح الفكر المكانة التي يستحقها.أما من أراد أن يقرأ معالجة أدبية ممتعة لهذا الموضوع، فلا أعرف نصاً أفضل من قصيدة كتبها الرسام الإيطالي برونزينو عن ضوضاء المدن وإزعاجها. وهي قصيدة ساخرة تجمع بين الطرافة والتذمر، وتصور بأسلوب مرح العذابات الصغيرة التي تفرضها الأصوات اليومية على من يحاول أن يعيش أو يفكر في هدوء.
تمت





رُبما افهم استياءه الشديد من صوت الفرقعة المفاجئ ، ان ربطتها بصوت التفحيط .. قاتله حتى للاخلاق.