الحياة المليئة بالأخطاء هي في الواقع "أكثر نفعاً وجدارة بالاحترام من "حياة فارغة من أي عمل
قراءة عميقة في مقولة جورج برنارد شو
إقبال عبيد
لم يكن جورج برنارد شو حين وصل إلى لندن شاباً في العشرين من عمره سوى فتى أيرلندي مغمور، يحمل في جيبه خمسة جنيهات وفي صدره ذلك الثقل الخفي الذي لا يُرى لكنه يُرهق الروح أكثر من الجوع نفسه؛ ثقل الشعور بأنك خرجت إلى العالم دون أن يكون العالم بانتظارك. لم تكن لندن مدينة تحتفي بالقادمين الحالمين، بل كانت آلةً هائلة باردة، تبتلع الوجوه بسرعة حتى تكاد تُقنع أصحابها أنهم لم يكونوا موجودين قط. ولم يكن العالم الأدبي يعرف اسمه، ولا كان مهتماً بأن يعرفه. كتب خمس روايات خلال تسع سنوات كاملة، تسع سنوات من العزلة والشك والصبر البطيء، فُرفضت جميعها واحدة تلو الأخرى، كأن الأبواب كلها قد اتفقت سراً على أن تُغلق في وجهه.كان يعود أحياناً إلى غرفته الصغيرة وهو يحمل رسالة الرفض كما يحمل الإنسان تقريراً طبياً عن مصيره. يجلس في ضوء خافت، يقرأ الكلمات الرسمية الباردة التي تُخبره أن ما وضع فيه سنوات من روحه “لا يصلح”. ثم يرفع رأسه للحظة، ينظر إلى الجدار، إلى النافذة، إلى الفراغ، ويتساءل بصمت ذلك السؤال الذي يمر على قلب كل إنسان حاول شيئاً بصدق: هل المشكلة فيما أكتبه… أم فيّ أنا؟؟!
وفي تلك السنوات كانت والدته، لوسيندا، تعمل مدرسةً للموسيقى لتُطعمه وتدفع إيجار الغرفة التي كان يكتب فيها إخفاقاته. لكنها لم تكن تدفع المال فقط، بل كانت تدفع شيئاً أثمن بكثير: إيمانها به حين كان هو نفسه عاجزاً أحياناً عن الإيمان بنفسه. كانت ترى في ذلك الشاب الصامت، الحاد، الساخر، شيئاً لم يره العالم بعد. كانت تعرف أن بعض الناس لا يظهر معدنهم في لحظة النجاح، بل في قدرتهم المرعبة على الاستمرار رغم الإهانة المتكررة.تتدفق رسائل الرفض تعود إليه كأنها مرايا باردة، لا تقول له فقط “لا”، بل تقول له أيضاً” أنت ما زلت غير مرئي”. ومع ذلك ظل يكتب. لا لأن الطريق كان واضحاً، بل لأن شيئاً داخله كان ينهار أكثر كلما فكّر في التوقف. أحياناً لا يواصل الإنسان لأنه واثق من الوصول، بل لأنه يعرف أن التخلي سيقتله من الداخل بطريقة أبطأ.هذه الصورة ليست مجرد نبذة عن كاتب عظيم سيصبح لاحقاً أحد أشهر كتّاب المسرح في العالم، بل هي صورة للحالة الإنسانية في أكثر لحظاتها هشاشة وصدقاً. إنها صورة كل إنسان وقف ذات ليلة أمام نفسه وهو يشعر أن الحياة لا تُعطيه أي إشارة تؤكد أنه يسير في الاتجاه الصحيح. صورة الإنسان الذي يستيقظ كل صباح ليُكمل طريقاً لا يملك دليلاً على أنه سيقوده إلى أي مكان.
ثمة وهم حديث تُسوّقه الحياة المعاصرة باستمرار/ أن الحياة الآمنة هي الحياة الصحيحة. أن الإنسان الذكي هو من يتجنب الخسائر، ويتفادى السقوط، ويحمي نفسه من الندم. لكن الحقيقة الأكثر قسوة وعمقاً أن الإنسان الذي يهرب من الألم يهرب أيضاً من التحول. يقول كيركيغارد إن اليأس الحقيقي ليس أن تفشل، بل أن تعيش دون أن تختار، دون أن تُلقي بنفسك في أي تجربة قد تُغيّرك. لأن الحياة التي لا تُجازف لا تُحطمك، نعم، لكنها أيضاً لا تُشكّلك.الإنسان الذي يُقرر أن يبقى دائماً في المنطقة الآمنة يشبه شخصاً يقف على شاطئ البحر طوال عمره، يراقب السفن وهي تعود محطمة أو منتصرة، لكنه لا يركب أياً منها أبداً. يبدو سالماً في نظر الجميع، لكنه في الداخل يحمل نوعاً خفياً من الحزن، حزن الإنسان الذي لم يعش حياته بل شاهدها فقط.برنارد شو لم يكن يعرف وهو يكتب رواياته المرفوضة أنه يبني اسمه الأدبي، ولم يكن يشعر أنه “يصنع مجداً يخصه”. كان يعرف شيئاً واحداً فقط/ أنه لا يستطيع التوقف عن الكتابة. وهذا الفرق جوهري. لأن الإنسان الذي يتحرك فقط حين يرى النتيجة سريعاً سينهار عند أول ظلام، أما الإنسان الذي يرتبط بالفعل ذاته، بالفعل العاري من الضمانات، فهو وحده القادر على الاستمرار حين تختفي كل الإشارات المشجعة.
الفشل في بدايات الحياة لا يكون دائماً نقيض النجاح، بل كثيراً ما يكون مادته الخام. كل خيبة تُعيد ترتيب الإنسان من الداخل. كل رفض يُزيل طبقة من الوهم. كل سقطة تُعرّفك إلى حدودك الحقيقية، ثم تُجبرك لاحقاً على تجاوزها. والإنسان لا ينضج لأنه قرأ كثيراً عن الحياة، بل لأنه اصطدم بها مرات كافية حتى تغيّر صوته ونظرته وطريقته في فهم الأشياء.إبكتيتوس، الفيلسوف الرواقي الذي بدأ حياته عبداً، كان يرى أن الإنسان لا يُقاس بما مُنح له، بل بما استطاع أن يبنيه مما سُلب منه. وهذه فكرة مخيفة بقدر ما هي عظيمة، لأنها تعني أن الألم ليس حادثاً جانبياً في التجربة الإنسانية، بل جزء من تشكيلها نفسه. الفشل يأخذ منك وهم السيطرة الكاملة، يأخذ خطتك الأولى، صورتك المثالية عن نفسك، ثقتك الساذجة بأن الحياة ستسير كما أردت، ثم يتركك وحيداً أمام السؤال الأصعب/ ماذا ستفعل الآن؟وهنا يبدأ التحول الحقيقي. لأن بعض الناس حين يسقطون ينشغلون فقط بحساب ما خسروه، بينما آخرون يبدأون للمرة الأولى في رؤية أنفسهم بوضوح. الألم يجرّد الإنسان من الزينة النفسية التي كان يختبئ خلفها. يجعله يرى خوفه الحقيقي، هشاشته، غروره، حاجته العميقة للحب والاعتراف والمعنى. ولهذا كان دوستويفسكي يقول إن الألم هو “مصدر الوعي الوحيد”، لا لأن المعاناة مقدسة بحد ذاتها، بل لأنها تكسر التخدير الذي يعيش فيه الإنسان حين تسير حياته بسهولة.
حين تُخطئ، وتنطفئ خططك، وتجلس وحيداً بعد انهيار شيء كنت تؤمن به، يحدث أمر غريب: تبدأ للمرة الأولى في سماع نفسك بوضوح. الضجيج الخارجي يختفي، ويبقى السؤال الحقيقي فقط. من أنا حين لا أنجح؟ من أكون حين لا يصفق لي أحد؟ وهل أستحق الاحترام إن كنت ما زلت في منتصف الطريق لا في نهايته؟هذه الأسئلة مؤلمة، لكنها ثمينة، لأن كثيراً من الناس يموتون دون أن يواجهوها أصلاً.ومع تكرار التجارب، يتغيّر الإنسان بطريقة لا يلاحظها فوراً. يصبح أكثر هدوءاً، لكن ليس هدوء البرود، بل هدوء من رأى كثيراً فلم يعد يندهش بسهولة. يعرف أن الحماسة وحدها لا تكفي، وأن بعض الوجوه التي تبدو مطمئنة قادرة على إيذائك، وأن بعض الأحلام الجميلة تخفي وراءها استنزافاً طويلاً. يصبح أكثر قدرة على التمييز، وهذه القدرة لا تُشترى بالقراءة ولا تُكتسب بالنصائح، بل تُدفع أثمانها من الأعصاب والعمر والثقة المكسورة وللأسف أحياناً من أرواح عشقناها وعاشت معنا.الإنسان المُجرَّب يحمل داخله معرفة لا تُقال بسهولة. حين ينصحك أحياناً ألا تدخل طريقاً معيناً، فهو لا يتحدث من تنظير فكري، بل من أثر قديم ما زال يؤلمه كلما تذكره. وحين يشجعك على المحاولة رغم خوفك، فهو لا يتحدث من تفاؤل ساذج، بل لأنه يعرف أن الندم على ما لم نفعله يبقى أطول من الندم على ما فشلنا فيه.لكن التجارب لا تمنح الحكمة فقط، بل تمنح أيضاً نوعاً من الحذر الثقيل. الإنسان الذي خسر كثيراً يبدأ أحياناً في رؤية الخطر في كل شيء. يتردد قبل الحب لأنه يتذكر الخذلان، يتردد قبل المغامرة لأنه يتذكر الانهيار السابق، يتردد قبل الثقة لأنه يعرف كيف يمكن للناس أن يتغيروا. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة/ الأشياء التي حمتك قد تتحول لاحقاً إلى سجنك.
ولهذا فالنضج الحقيقي لا يعني أن تُطفئ خوفك تماماً، بل أن تتعلم كيف تتحرك رغم وجوده. أن تعرف الفرق بين الحذر الذي يحميك والخوف الذي يشلك. بين الحكمة التي تُبصرك، والتشاؤم الذي يُطفئك. الحياة لا تطلب منك أن تصبح شخصاً لا يتألم، فهذا مستحيل، بل تطلب منك شيئاً أصعب/ أن تبقى قادراً على المحاولة رغم معرفتك السابقة بالألم.وهذا بالضبط ما فعله برنارد شو. لم يتوقف عن الكتابة لأن العالم رفضه، ولم يسمح للرفض أن يتحول إلى تعريف نهائي لذاته. كان يفهم، بوعي أو بدونه، أن رأي الآخرين في مرحلتك الحالية ليس حكماً على قيمتك النهائية. الناس كثيراً ما يرون النسخة التي أمامهم فقط، بينما الإنسان يعيش دائماً في صراع مع نسخة لم يولدها بعد. الفشل ليس محطة تعبرها ثم تختفي من حياتك، بل يصبح طبقة عميقة تحت كل ما تبنيه لاحقاً هي طبقة تشبه الوشم تماماً بحبر لامرئي. تحت كل قرار ناضج، وكل علاقة متزنة، وكل نجاح حقيقي، توجد طبقات قديمة من الخيبات والأسئلة والليالي التي ظننت فيها أنك لن تستطيع الاستمرار. وهذه الطبقات ليست عاراً ينبغي إخفاؤه، بل هي ما يمنح الإنسان ثقله الإنساني الحقيقي والنضج للإدراك تحركاته .الحياة لا تُكافئ دائماً بسرعة، وأن الطريق الطويل لا يكشف معناه إلا لمن امتلك شجاعة البقاء والفشل والتجربة، لا خسارة ولا فوز مع ذاتك .







للابد احب مقالاتش دايماً تلامسني بشدة وفي جُمل تقوليها رغم بساطتها الا انها تضرب بالاعماق، وفي جملة لامستني جداً اللي هي" … حزن الإنسان الذي لم يعش حياته بل شاهدها فقط" سبحان الله دايماً كان هذا شعوري
أكثر المقالات التي تركت في نفسي ونس