«الذكريات تدفئك من الداخل، لكنها في الوقت ذاته تمزّقك»
قراءة في مقولة للروائي هاروكي موراكامي
إقبال عبيد
لحظة غريبة تحدث لكلٍّ منا، حين نجلس وحدنا في مكانٍ هادئ، بعيداً عن ضجيج العالم ومطالبه اليومية، فتأتي ذكرى لم ندعُها. لا تطرق الباب ولا تستأذن. تظهر فجأة كما لو أنها كانت تنتظر هذه الثغرة الصغيرة في انتباهنا لتعود. تحمل معها رائحة بيتٍ قديم، أو نبرة صوتٍ اختفت منذ سنوات، أو مشهداً ظننا أننا تجاوزناه منذ زمن طويل. وفي تلك اللحظة نشعر بأن الزمن ليس خطاً مستقيماً كما نتخيله، بل طبقات متراكمة تعيش كلها داخلنا في الوقت نفسه. نصبح معلّقين بين ما كنّا عليه وما أصبحنا عليه، بين شخصٍ رحل مع الماضي وشخصٍ يحاول أن يعيش الحاضر.قال الروائي هاروكي موراكامي يوماً: «الذكريات تدفئك من الداخل، لكنها في الوقت ذاته تمزّقك». تبدو العبارة للوهلة الأولى كجملة أدبية جميلة تصلح للاقتباس، لكن الحياة تمنحها معناها الحقيقي لاحقاً. فالذكريات ليست مجرد صور محفوظة في العقل، بل أجزاء من ذواتنا السابقة ما تزال تعيش في مكانٍ ما داخلنا. ولهذا فإن استعادتها تمنحنا دفئاً مؤقتاً، لأنها تعيد إلينا أشخاصاً وأماكن وأزمنة أحببناها، لكنها تمزقنا في اللحظة نفسها لأنها تذكّرنا بأن كل ذلك أصبح بعيداً عن متناول اليد.وهناك سؤال لا يجرؤ كثيرون على طرحه بصوتٍ عالٍ: لماذا لا نريد أحياناً أن نتعافى؟ لماذا نقاوم النهاية الطبيعية للحزن رغم ما يسببه لنا من إنهاك؟ ليس لأن الألم جميل، ولا لأن الإنسان مولع بمعاناته كما تروّج بعض التفسيرات السطحية، بل لأن الألم يتحول مع الوقت إلى آخر أثرٍ ملموس لما فقدناه. يصبح الحزن بمثابة الغرفة الأخيرة التي ما زالت تحتفظ بأثاث الماضي كما كان. وحين يبدأ التعافي نشعر، على نحوٍ خفي ومربك، بأننا نخسر شيئاً آخر فوق خسارتنا الأولى.لهذا يخاف بعض الناس من لحظة الشفاء أكثر مما يخافون من لحظة الانكسار. فالتعافي لا يعني فقط أن يتوقف الوجع، بل يعني أيضاً الاعتراف بأن الزمن واصل سيره من دون ذلك الشخص، أو من دون تلك المرحلة، أو من دون ذلك الحلم الذي كان يوماً جزءاً من حياتنا. وحين يهدأ الحزن تماماً يساورنا شعورٌ غامض بأننا أغلقنا باباً لن يُفتح مرة أخرى، وكأننا سمحنا للغياب أن يتحول إلى حقيقة نهائية لا يمكن التفاوض معها.
بعد وفاة والدته كتب الناقد والفيلسوف رولان بارت في يومياته ما يكشف شيئاً من هذا الصراع الداخلي: «لا أريد أن أتحدث عنها لكي لا تتحول إلى مجرد كلمات». كان يدرك أن اللغة نفسها قد تبدو أحياناً عاجزة أمام بعض أشكال الفقد. فهناك أحزان لا نخشى نسيانها فحسب، بل نخشى أيضاً أن يؤدي شرحها وتفسيرها إلى تقليصها. نخشى أن يتحول إنسانٌ عاش في أعماقنا إلى مجرد قصة تُروى أو ذكرى تُستعاد.ربما لهذا السبب نتمسك ببعض أوجاعنا أكثر مما نعترف. ليس لأننا نحب الألم، بل لأن الحزن في أحيان كثيرة هو الشكل الأخير للحب عندما يفقد موضوعه. إنه الطاقة العاطفية التي لم تجد منفذاً آخر تذهب إليه. نحتفظ بالوجع لأنه الشاهد الأخير على أن ما حدث كان حقيقياً، وأن تلك العلاقة أو تلك اللحظة أو ذلك الإنسان لم يكن وهماً عابراً مرّ في حياتنا ثم اختفى، بل كان جزءاً من تكويننا نفسه. وحين نفقد الألم نشعر أحياناً وكأننا نفقد الدليل الأخير على وجوده.هكذا لا يكون الصراع الحقيقي بين الإنسان والحزن، بل بين الإنسان والزمن. فنحن لا نحارب الألم بقدر ما نحارب الحقيقة التي يحملها معه أن كل ما نحبّه محكوم بالتغيّر، وأن أكثر الأشياء رسوخاً في حياتنا يمكن أن تصبح يوماً ذكرى. ومع ذلك نستمر في التذكر، لا لأن الذكريات تعيد إلينا ما فقدناه، بل لأنها تمنح الغياب شكلاً يمكن احتماله، وتجعل المسافة بيننا وبين ما رحل أقل قسوة، ولو للحظات قليلة.
لكن الذكريات لا تحمل صورة من فقدناهم فقط، بل تحمل صورة الشخص الذي كنّاه حين عرفناهم. ولهذا فإن العودة إلى الماضي ليست رحلة نحو الآخرين بقدر ما هي رحلة نحو نسخنا القديمة. ففي كل ذكرى يعيش شخص لم يعد موجوداً تماماً نحن أنفسنا. ذلك الإنسان الذي كان يضحك للأسباب ذاتها، ويخاف من أشياء مختلفة، وينظر إلى المستقبل بعينين لا تعرفان بعد ما سيحدث لهما. لهذا السبب قد تؤلم الذكريات السعيدة أكثر من الذكريات الحزينة أحياناً. فهي لا تذكّرنا بما فقدناه فقط، بل بما تغيّر فينا نحن. تنظر إلى صورة قديمة أو تستمع إلى أغنية كنت تحبها، فتشعر للحظة أنك تلتقي بشخص تعرفه جيداً وغريباً عنك في الوقت نفسه. شخص يشبهك إلى حد التطابق، ومع ذلك لا يمكنك العودة إليه أبداً.وربما لهذا تحمل بعض الذكريات ذلك الحزن الغامض الذي يصعب تفسيره. ليس لأن الحدث نفسه كان مؤلماً، بل لأن المسافة بيننا وبين الشخص الذي كنّاه أصبحت كبيرة. فالحنين في جوهره ليس اشتياقاً إلى مكان أو زمن فقط، بل اشتياق إلى نسخة من الذات كانت تسكن ذلك الزمن. نحن لا نفتقد البيوت القديمة دائماً، بل نفتقد الأشخاص الذين كنّاهم داخل تلك البيوت.يشير عالم النفس دان ماكادامز إلى أن الهوية الإنسانية ليست شيئاً ثابتاً نملكه منذ الولادة، بل قصة مستمرة نعيد صياغتها كل يوم. نحن نفهم أنفسنا من خلال السرد الذي نبنيه عن حياتنا، ومن خلال الذكريات التي نختار أن نضعها في قلب هذا السرد. ولهذا فإن فقدان الذكريات لا يشبه فقدان المعلومات، بل يشبه فقدان أجزاء من الذات نفسها. حين يتمسك الإنسان بصورة قديمة، أو برسالة باهتة، أو بأغنية تعود إلى مرحلة بعينها، فإنه لا يحاول فقط استعادة الماضي، بل يحاول أن يؤكد لنفسه أن تلك النسخة منه كانت حقيقية، وأن ما عاشه لم يبتلعه الزمن بالكامل.ومع مرور الوقت يحدث أمر مربك. يخف الألم الذي رافق الذكرى سنوات طويلة، لكن الذكرى نفسها لا ترحل. يتوقع كثيرون أن الشفاء يشبه المحو، وأن التعافي الكامل يعني أن يصبح الماضي صامتاً إلى الأبد. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فالذكريات التي شكّلتنا لا تختفي لأنها جزء من البنية التي تكوّنت منها شخصياتنا. ما يتغير ليس وجودها، بل سلطتها علينا.ولهذا يصاب بعض الناس بالقلق حين يكتشفون أن الذكرى ما زالت تزورهم رغم مرور السنوات. يظنون أن بقاءها دليل على أن الجرح لم يلتئم بعد. لكن الحقيقة أن الذاكرة والجرح ليسا الشيء نفسه. هناك فرق عميق بين أن تتذكر وأن تنزف. فالندبة ليست استمراراً للإصابة، بل دليل على أن الجسد بذل جهداً هائلاً كي يتعافى منها. وكذلك الأمر مع النفس البشرية. ليست المشكلة في أن الذكرى ما زالت موجودة، بل في الكيفية التي تعيش بها داخلنا.
في كتابه الشهير، يشرح الطبيب النفسي بيسيل فان دير كولك فكرة جوهرية كثيراً ما يغفلها الناس التعافي لا يعني نسيان ما حدث، بل القدرة على تذكّره دون أن يعيدنا إلى اللحظة ذاتها بكل ما حملته من خوف أو ألم أو عجز. في بداية الجرح تكون الذكرى أشبه بتيار يجرفنا معه كلما مرّ في أذهاننا. أما بعد التعافي فتصبح جزءاً من القصة، لا السجن الذي نعيش داخله.وربما هذه هي إحدى الحقائق الأكثر طمأنينة في التجربة الإنسانية كلها لسنا مضطرين إلى فقدان ذكرياتنا كي نواصل حياتنا. لا يحتاج القلب إلى أن يمحو ما أحبّه كي يشفى. بعض الناس يظنون أن النجاة تعني النسيان، لكنها في الواقع تعني شيئاً أكثر نضجاً وأقل قسوة. تعني أن يصبح الماضي في مكانه الصحيح؛ حاضراً في الذاكرة، لكنه لم يعد يتحكم بالحاضر. أن تستطيع النظر إلى ما حدث دون أن تسقط فيه من جديد. أن تحمل قصتك كاملة، بأفراحها وخساراتها، دون أن تنكسر تحت ثقلها.فالذكريات لا تختفي عندما نتعافى. الذي يختفي هو ذلك الإحساس القديم بأننا ما زلنا عالقين داخلها. وحين يحدث ذلك ندرك أن الزمن لم يمحُ ما عشناه، بل علّمنا كيف نحمله.
وأعمق من كل هذا، هناك ذلك النوع من الألم الذي لا يتحول إلى كلمات أبداً. ليس لأن صاحبه يتكتم عليه عمداً، ولا لأنه يخجل من الاعتراف به، بل لأن بعض التجارب تنمو في مناطق من النفس أقدم من اللغة نفسها. نشعر بها بوضوح كامل، لكننا نعجز عن نقلها كما هي. وحين نحاول وصفها تبدو الكلمات أصغر من أن تحتويها، كأننا نحاول حمل محيطٍ بكفّ اليد.هناك أشخاص يمضون سنوات وهم يحملون أعباءً لا يعرف عنها أحد شيئاً. يبتسمون، ينجزون أعمالهم، يجيبون عن الأسئلة اليومية المعتادة، بينما تدور في أعماقهم معارك كاملة لا يراها أحد. لم يطلبوا المساعدة دائماً، لا لأنهم لا يحتاجونها، بل لأنهم اعتادوا منذ وقت مبكر أن يحملوا أثقالهم وحدهم. بعضهم خاف أن يكون عبئاً على من يحب. وبعضهم جرّب أن يتكلم ذات مرة فلم يجد الكلمات المناسبة فعاد إلى صمته. وبعضهم لم يتعلم أصلاً أن الضعف يمكن أن يُشارك، وأن الألم لا يفقد كرامته حين يُقال. فإن شفاء هؤلاء يبدو مختلفاً عن الصورة التي اعتدناها في القصص. لا توجد لحظة واضحة يعلنون فيها انتصارهم على ما مرّوا به. لا توجد احتفالات ولا خطابات ختامية ولا تصفيق من أحد. يحدث الأمر بصمت يكاد يكون غير مرئي. يغوصون في أعماق التجربة حتى أقصى حدودها، يواجهون ما فيها من خوف وخسارة ووحدة، ثم يخرجون من الجهة الأخرى كما يخرج الغواص من بحرٍ عميق؛ متعبين قليلاً، مختلفين قليلاً، لكنهم ما زالوا واقفين.ومع ذلك لا يخرج الإنسان من معاناته كما دخلها. فكل تجربة تترك أثراً، حتى حين تتوقف عن إيلامنا. تبقى في الجسد وفي الذاكرة إشارات خافتة إلى ما حدث. رائحة عابرة تعيد شعوراً قديماً للحظة. شارع لم نزره منذ سنوات فيوقظ شيئاً نائماً في الداخل. أغنية كنا نظن أننا نسيناها فتفتح باباً أغلقناه منذ زمن. ليست هذه عودة إلى الجرح، بل تذكير بأن ما عشناه أصبح جزءاً من تكويننا.
وقد وصف بعض الكتّاب هذا الأمر بما يشبه الذاكرة الجسدية؛ ذلك الأرشيف الصامت الذي يحتفظ به الجسد حتى بعد أن تهدأ العاصفة. لا ليعذبنا، بل ليخبرنا بأن ما مررنا به كان حقيقياً. وحين تومض تلك الذكريات أحياناً، لا ينبغي أن نراها بوصفها فشلاً أو انتكاسة. إنها أشبه برسالة هادئة من الماضي تقول: لقد كنت هنا يوماً. لقد عبرت هذه النار بالفعل. لقد كان الأمر أصعب مما يستطيع الآخرون رؤيته، ومع ذلك واصلت السير. فإن الإنسان لا يُقاس فقط بما حققه أو بما امتلكه أو حتى بما آمن به، بل أيضاً بما استطاع احتماله دون أن يفقد جوهره. فالحياة، في نهاية الأمر، لا تتركنا كما وجدتنا. إنها تضيف إلى أرواحنا طبقات متتالية من الحب والفقد والخذلان والدهشة والنجاة. وكل طبقة منها تعيد تشكيلنا بطريقة لا ننتبه إليها إلا بعد سنوات.نحن لسنا فقط مجموع قراراتنا، بل مجموع ما صبرنا عليه حين لم يكن هناك خيار آخر. مجموع الليالي التي اعتقدنا أننا لن نتجاوزها ثم تجاوزناها. مجموع الأشياء التي كسرتنا جزئياً لكنها لم تنجح في تحطيمنا بالكامل. ومجموع الأشخاص الذين أحببناهم حتى بعدما أصبحوا جزءاً من الذاكرة.لعل هذا هو السبب الذي يجعل الذكريات أمراً يستحق التأمل أكثر من الحنين. فهي ليست سجناً كما نظن أحياناً، وليست فردوساً مفقوداً كما نحب أن نتخيل. إنها الشاهد الوحيد الذي يسير معنا من بداية الرحلة إلى نهايتها. الدليل الصامت على أننا لم نعبر الحياة مروراً عابراً، بل تركت فينا أثراً وتركنا فيها أثراً أيضاً.
لا تكمن قيمة الذكريات في أنها تعيد إلينا ما فقدناه، بل في أنها تذكّرنا بمن أصبحنا بعد كل ما فقدناه. فهي لا تحفظ الماضي فقط، بل تحفظ قصة تحوّلنا نحن. وكلما نظرنا إليها بصدق، أدركنا أن الألم لم يكن الشيء الوحيد الذي بقي. لقد بقيت القوة أيضاً. وبقي الفهم. وبقي ذلك العمق الإنساني الذي لا يولد إلا بعد أن يختبر المرء هشاشته بنفسه.






مقال صباحي رائع!
اقف عاجزة عن التعبير عن مدى روعة كلمات المقال !
لذا استعين بلهجتي و اقول يخبل 💘